للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماه إلى مصر، وتأخر من الملك الناصر جماعة يسيرة منهم أخوه الظاهر (١) والملك الصالح بن شيركوه صاحب حمص، وشهاب الدين القمري، ثم سار الملك الصالح بمن تأخر معه إلى تيه بني إسرائيل، ولما وصلت العساكر إلى مصر التقاهم المظفر قطز بالصالحية، وطيب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماه سنجقًا، والتقاه ملتقى حسنًا، وطيب قلبه، ودخل القاهرة، وأما التتر فإنهم استولوا على دمشق وعلى سائر الشام إلى غزة واستقرت شحانيهم بهذه البلاد، وأما قلعة حلب، فوثب جماعة من أهلها في مدة الحصار على صفي الدين بن طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين محمد بن عبد العزيز بن القاضي نجم الدين بن أبي عصرون فقتلوهما لأنهم اتهموها بمواطأة التتر، ودام الحصار على القلعة نحو شهرين، ثم سُلّمت بالأمان في يوم الاثنين الحادي عشر من ربيع الأول هذه السنة. ولما نزل أهلها بالأمان، وكان فيها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر منهم: سكز وبرامق وسنقر الأشقر، فسلمهم هولاكو وباقي الترك إلى رجل مع التتر يقال له سلطان حق، وهم من أكابر القفجاق هرب من التتر لما غلبت على القفجاق إلى حلب، فأكرمه الملك الناصر، فلم تطب له تلك البلاد، وعاد إلى التتر، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التي قدمنا ذكرها.

وأمر هولاكو أن يمضي كل من سلَّم إلى داره وملكه وأن لا يعارض، وجَعَلَ النائب بحلب عماد الدين القزويني، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص بن إبراهيم بن شيركوه (٢)، وكان قد انفرد الأشرف المذكور عن المسلمين، ولما توجه الناصر يوسف إلى جهة مصر، ووصل إلى هولاكو بحلب فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الناصر صاحب حلب سنة ست وأربعين وستمائة وعوضه عنها تل باشر كما تقدم ذكره. فعادت إليه في هذه السنة، واستقر ملكه بها، وقدم أيضًا على هولاكو وهو نازل على حلب محي الدين بن الزكي من دمشق ومعه مفاتيحها، فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام. ولما عاد ابن الزكي المذكور إلى دمشق لبس خلعة هولاكو، وكانت مذهبة، وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق، وقرأ عليهم تقليد هولاكو، واستقر في القضاء، ثم رحل


(١) الملك الظاهر علي، قتله التتار مع الناصر سنة ٩٥٩ هـ كما سيأتي. انظر ترجمته في شفاء القلوب وترويج القلوب ٩٣ وذيل مرآة الزمان ٢/ ١٣٠.
(٢) في المختصر: موسى إبراهيم بن شيركوه.

<<  <  ج: ص:  >  >>