فلم ينجده، وعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان، ثم انثنى عزمه، وبات بمنزله، وشرب تلك الليلة وسكر سكرًا خماره دوار الرأس وتقطع الأنفاس، وأحاط التتر بعسكره مصبحين [الوافر].
فمساهم وبسطهم حرير … وصبحهم وبسطهم تراب
ومن في كفه منهم قناةٌ … كمن في كفّه منهم خضاب
وأحاطت أطلاب (١) التتر بخركاة (٢) جلال الدين وهو نائم سكران فحمله بعض أمراء عسكره وكان اسمه أرخان، وكشف التتر عن الخركاة، ودخل بعض الخواص وأخذ بيد جلال الدين وأخرجه وعليه طاقية بيضاء فأركبه الفرس وساق أرخان مع جلال الدين، وتبعه التتر.
فقال جلال الدين: لأرخان انفرد عني بحيث تشغل التتر بتتبع سوادك.
وكان ذلك خطأ منه، فإنّ أرخان تبعه قريب أربعة آلاف فارس من العسكر الجلالي وقصد أصفهان واستولى عليها مدة.
ولما انفرد جلال الدين عن أرخان وساق إلى باسورة آمد فلم يمكن من الدخول إلى آمد فسار إلى قرية من قرى ميافارقين طالبًا شهاب الدين غازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين ثم لحقه التتر في تلك القرية، فهرب جلال الدين إلى جبل هناك، وفيه أكراد يتخطفون الناس، فأخذوه وشلحوه وأرادوا قتله، فقال جلال الدين لأحدهم أنا السلطان، فاستبقني أجعلك ملكًا، فأخذه الكردي، وأتى به إلى امرأته وجعله عندها ومضى الكردي، إلى الجيل لإحضار ماله هناك فحضر شخص كردي، وبيده حربة، قال للمرأة: لم لا تقتلون هذا الخوارزمي؟ فقالت المرأة: لا سبيل إلى ذلك وقد آمنه زوجي، فقال الكردي: إنه السلطان وقتل أخًا لي بخلاط خيرًا منه، وضربه بحربته فقتله.
وكان جلال الدين أسمر قصيرًا تركي الشارة والعبارة، وكان يتكلم بالفارسية وكان يكاتب الخليفة على مبدأ الأمر على ما يكاتب به أبوه خوارزم شاه بن محمد بن تكش.
وكان يكتب خادمه المطواع منكبرتي، ثم بعد أخذ خلاط خاطبه بعبده، وكان يكتب إلى ملك الروم وملوك مصر والشام اسمه واسم أبيه.
(١) الأطلاب: تعني الكتائب من الجيش. (٢) الحركاة: الخيمة.