فلما تولَّى جلال الدين أمضى جميع ما أطلقه والده بالتواقيع والعلائم، ثم أدركت السلطان محمد المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة.
فغسله شمس الدين محمود (١) بن بلاغ الجاويش، ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن به، فكفّن بقميصه ودفن بالجزيرة في سنة سبع عشر وستمائة.
بعد أن كان بابه مزدحم بملوك الأرض وعظمائها، يشتدون بجنابه، ويتفاخرون بلثم ترابه، ورقى إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه وحاشيته فصار طشتداره، وركبداره وسلحداره وجهداره وغيرهم من أرباب الوظائف، كلهم ملوكًا.
وكان في أعلامهم علامات سود يعرفون بها، فعلامة الدوادار الدواة، والسلحدار القوس والطشتدار المسينة والجهدار النفجة، وأمير آخور النعل، والجاويشية قبة ذهب.
وكان يمد السماط بين يديه ويأكل الناس، ويرفع الطعام الذي في صدر السماط إلى يد الأكابر إذا قعدوا على السماط للأكل، وكانت الزبادي كلها ذهب وفضة.
وكان السلطان محمد يختص بأمور لا يشاركه فيها أحد منها المجتر منشورًا على رأسه إذا ركب، ومنها: اللكح وهي أنبوبة من الذهب الأحمر بين أذني مركوب السلطان يخرج منها المعرفة، وتشد إلى أطراف اللجام.
ومنها: الأعلام السود والسرج السود والنفج السود محمولة على أكتاف الجهدادية ولا تحمل لغيره على الكتف.
ومنها: أن جنائبه تجر قدامه وجنائب غيره من الملوك تجر خلفه.
ومنها: أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين، ومنها الجلوس على الركبتين بين يديه، لمن يريد مخاطبته.
قال المؤلف المذكور: ثم سار جلال الدين بعد موت أبيه السلطان محمد من الجزيرة إلى خوارزم، ثم هرب من التتر ولحق بغزنة، وجرى بينه وبينهم من القتال ما تقدم ذكره.
وسار إليه جنكيز خان فهرب جلال الدين إلى الهند فلحقه جنكيز خان على ماء السند، وتصاففا صبيحة يوم الأربعاء لثمان خلون من شوال سنة ثمان عشرة وستمائة.
وكانت الكرة أولًا على جنكيز خان ثم صارت على جلال الدين، وحال بينهما
(١) في الأصل: شمس محمد.