المنصور محمد (١)، فعرض للملك المظفر مرضٌ شديد، وتزايد به حتى توفي في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان هذه السنة، فأخفى ولده المنصور وفاته ورحل عن بلاد ملازكرد، ووصل به إلى حماة ودفنه بظاهرها، وبنى إلى جانب التربة مدرسة وهي مشهورة هناك، وكان المظفر شجاعًا سديد الرأي، ركنًا عظيمًا من أركان بيت أيوب، وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن.
واتفق أنه في ليلة الجمعة التي توفي فيها الملك المظفر توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين (٢)، وأمه ست الشام بنت أيوب أخت السلطان فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته.
ولما مات الملك المظفر راسل ابنه الملك المنصور السلطان صلاح الدين واشترط شروطًا نسبه السلطان فيها إلى العصيان فكاد أمره أن يضطرب بالكلية فراسل الملك المنصور عمه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان، فما برح الملك العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه «السلطان»(٣) وقرر الملك المنصور حماة وسلمية والمعرة وقلعة نجم، ومنبج واسترجع منه البلاد الشرقية وأقطعها أخاه الملك العادل بعد أن شرط السلطان على الملك العادل أن ينزل عن كل ماله من الإقطاع بالشام خلا الكرك والشوبك والصلت (٤) والبلقاء (٥) ونصف خاصته بمصر، وأن يكون عليه في كل سنة خمسة (٦) آلاف غرارة تحمل من الصلت والبلقاء إلى القدس.
ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية، وقرر أمورها وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة، أعني سنة ثمان وثمانين ولما قدم الملك العادل، على السلطان، كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين، نهض واعتنقه وغشيه البكاء
(١) الملك المنصور محمد بن عمر، ولي فيما بعد حماة، وكان شجاعًا أديبًا شاعرًا صنف كتبًا في الأدب، واعتنى بعمارة بلده. توفي سنة ٦١٦ هـ. شفاء القلوب ص ٣٣٧ وفوات الوفيات ٤/ ٤٩٨ والوافي ٤/ ٤٥٩ ووفيات الأعيان ٣/ ١٢٩. (٢) انظر عنه: الوافي بالوفيات ٤/ ٢٤٨ وخبر موته في الكامل ٩/ ٢١٨. (٣) التكملة عن المختصر. (٤) كذا في الأصل والمختصر، ولعلها: صلب، وهو وادي بين آمد وميافارقين (معجم البلدان ٣/ ٤٢١). (٥) البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمّان، وفيها قرى كثيرة، ومزارع (معجم البلدان ١/ ٤٨٩). (٦) في المختصر: ستة.