واتفقوا على ذلك، وسلّم حلب إلى السلطان في صفر هذه السنة، فكان أهل حلب ينادون على عماد الدين: يا حمار بعْتَ حَلَبْ بسنجار، وشرط السلطان على عماد الدين زنكي الحضور إلى خدمته بنفسه، وعسكره متى استدعاه لا يحتج بحجة عن ذلك، ومن عجيب الاتفاق أن محيي الدين بن الزكي (١) قاضي دمشق، مدح السلطان بقصيدة منها:[الطويل]
وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر … مبشر (٢) بفتوح القدس في رجب
فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وكان من جملة من قتل على حلب تاج الدين بوري أخو السلطان الأصغر، وكان شجاعًا كريمًا طعن في ركبته فانفكت، فمات منها.
ولما استقر الصلح عمل زنكي دعوة للسلطان، واحتفل فيها، فبيناهم في سرورهم إذ جاء إنسان فأسر للسلطان بموت أخيه بوري، فوجد عليه في قلبه وجدًا عظيمًا وأمر بتجهيزه سرًّا، ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدًا ممن كان في تلك الدعوة لئلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان السلطان يقول: ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بوري، وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم.
ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سَرْخِك الذي ولاه الملك الصالح بن نور الدين في تسليم حارم، وجرت (٣) بينهما مراسلات، فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سرخك الفرنج، فوثب عليه أهل القلعة، وقبضوا عليه (٤)، وسلّموا حارم إلى السلطان، فتسلمها وقرّر أمر بلاد حلب، واقطع أعزاز أميرًا يقال له سليمان بن جندر (٥).
وفيها (٦): لما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولده الملك الصالح (٧) غازي وسار إلى دمشق وتجهز منها للغزو وعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من هذه
(١) هو محمد بن علي بن محمد بن يحيى، أبو المعالي محيي الدين المعروف بابن زكي الدين، قاضي قضاة دمشق وأعمالها، كان أديبًا شاعرًا من الكتاب المترسلين، توفي سنة ٥٩٨ هـ (وفيات الأعيان النجوم الزاهرة ٦/ ١٨١). (٢) الأصل: مبشرًا، والبيت في شفاء القلوب ص ١٠٦ والكامل ٩/ ١٦٢. (٣) الأصل: جرى، والتصويب عن المختصر. (٤) الأصل: قبضوه، والتصويب عن المختصر. (٥) سليمان بن جندر من أكابر أمراء حلب شهد مع صلاح الدين حروبه كلها ومات سنة ٥٨٧ هـ النجوم الزاهرة ٦/ ١١٣ السلوك ١/ ١٠٧. (٦) المختصر ٣/ ٩٧ وكامل ابن الاثير ٩/ ١٥٦ ومفرج الكروب ٢/ ١٤٨ ونهاية الارب ٢٨/ ٣٩٨. (٧) كذا في الأصل، وهو في المختصر: الظاهر غازي.