للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نجم الدين أيوب فأنكر أيوب عليه ذلك، وقال: أهلكتنا المصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حيًا خدمته في هذا الوقت، وإن كان ميتًا فأنا في دمشق أكفيكها، فعاد شيركوه إلى حلب مجدًا، وجلس نور الدين في شباك يراه الناس، فلما رأوه حيًا تفرقوا عن أخيه أمير ميران واستقامت الأحوال.

وفيها (١): استقر في ملك اليمن علي بن مهدي (٢)، وأزال ملك بني نجاح على ما قدمنا في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وعلي بن مهدي المذكور من حمير من قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد، وكان أبوه مهدي رجلًا صالحًا ونشأ ابنه على طريقة أبيه في العزلة والتمسك والتمسك بالصلاح، ثم حج واجتمع بالعراقيين.

وتضلّع من معارفهم، ثم صار واعظًا، وكان فصيحًا صبيحًا، حسن الصوت، عالمًا بالتفسير غزير المحفوظات، وكان يتحدث في شيء من أحوال المستقبلات، فتصدق، فمالت إليه القلوب، واستفحل أمرُه، وصار له جموع فقصد الجبال، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، ثم عاد إلى أملاكه، وكان يقول في وعظه: أيها الناس، دنا الوقت، أزف الأمر، لأنكم بما أقول لكم قد رأيتموه عيانًا، ثم عاد إلى الجبال إلى حصن يقال له المشرف، وهو لبطن من خولان وأطاعوه، وسماهم الأنصار، وسمّى كل من صعد معه من تهامة المهاجرين، وأقام على خولان رجلًا اسمه سبأ، وعلى المهاجرين رجلًا اسمه التويتي، وسمّى كلا الرجلين شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على الطائفتين، فلا يخاطبه أحد غيرهما وهما يوصلان كلامه إلى الطائفتين وحوائجهما إليه، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التهائم حتى أخلى البوادي، وقطع الحرث والقوافل، ثم أنه حاصر زبيد، واستمرّ مقيمًا عليها حتى «قتل» فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح، قتله عبيده، وجرى بين ابن مهدي وعبيد فاتك حروب شديدة وآخرها أن ابن مهدي انتصر عليهم، وملك زبيد واستقر في دار الملك يوم الجمعة رابع عشر رجب من هذه السنة، أعني سنة أربع وخمسين، وبقي ابن مهدي في الملك شهرين وإحدى وعشرين يومًا. ومات علي بن مهدي في السنة التي ملك فيها (٣).


(١) المختصر ٣/ ٣٥.
(٢) علي بن مهدي الحميري، تلقب بالمهدي وحكم اليمن، وكان أديبًا شاعرًا، توفي سنة ٥٦٠ هـ، وتولى اليمن بعده أخوه، ومنهم أخذ الناصر صلاح الدين اليمن. انظر: الوافي بالوفيات ٢٢/ ٢٤٧ والخريدة (قسم شعراء الشام) ٣/ ٦٤ والبداية والنهاية ٢/ ٢٧٤ وتاريخ ابن خلدون ٤/ ٤٦٨ والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٣٠.
(٣) بعده في المختصر: في شوال.

<<  <  ج: ص:  >  >>