للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فحصرها أيضًا، وصاحبها حسام الدين الكردي البشنوي ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مع حسان البعلبكي الذي كان صاحب منبج يقول لصاحب قلعة جعبر: قُلْ لي من يخلصك مني؟ فقال صاحب جعبر: يخلصني منك الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق.

وكان محاصرًا لمنبج فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمرّ زنكي منازلا قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه (١) في خامس ربيع الآخر هذه السنة بالليل وهربوا إلى قلعة جعبر، وصاح من بها على العسكر، وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق.

وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وَخَطَهُ الشيب، وكان زاد عمره على ستين سنة، ودفن بالرقة، وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها، كان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق، وكان شجاعًا.

وكانت الأعداء تحيط بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم، ويستولي على بلادهم، ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود (٢) حاضرًا عنده، وأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها، وكان صحبة زنكي أيضًا الملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي.

فركب في يوم قتل زنكي، واجتمعت عليه العساكر، فحسّن بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرقة، وأقام بها منعكفًا على ذلك، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي (٣) بن زنكي يعلمونه بالحال وهو يشهرون، فسار إلى الموصل، واستقر في ملكها، وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما قرب منها قبض عليه


(١) انظر في قتله مرآة الجنان ٣/ ٢٧٤ وشذرات الذهب ٤/ ١٢٨، وفي عيون التواريخ ١٢/ ٤٠٨، إن العقيلي بَرْطَلَ بعض مماليك زنكي حتى قتلوه.
(٢) محمود بن زنكي بن آقسنقر، العادل نور الدين أبو القاسم، التركي ولي بعد أبيه ولاية الموصل وديار بكر والبلاد الشامية، ثم ملك دمشق وحصنها وبنى بها المدارس والمساجد، وأخذ من الفرنج مدنًا كثيرة. وستأتي بعض أخباره، انظر: المنتظم ١٠/ ٢٤٨ والباهر ٨٧ والكامل ١١/ ١١٢ وسنا البرق الشامي ١/ ١٥٣ ومرآة الزمان ٨/ ١/ ١٩١ وكتاب الروضتين ١/ ٤٨ ووفيات الأعيان ٥/ ١٨٤ ومفرج الكروب ١/ ١٠٩ والبداية والنهاية ١٢/ ٢٢٢ والنجوم الزاهرة ٦/ ٧١ والوافي بالوفيات ٢٥/ ٢٠٧، ولابن قاضي شهبة كتاب في سيرته سماه (الكواكب الدرية في السيرة النورية) تحقيق محمود زايد، بروت ١٩٧١.
(٣) سيذكر المؤلف خبر وفاته في حوادث سنة ٥٤٤ هـ، انظر ترجمته ومصادرها هناك.

<<  <  ج: ص:  >  >>