وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت به حقّا، وإلى ذلك ذهب الجمهور.
وللجمع بين الأحاديث وزوال التعارض، قال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوت حقّا ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب؟
ويتجه أن يقال: إن علم أنَّه يفوت حقّا واجبًا حرم، وإن علم أنَّه يفوت حقّا مندوبًا أولى من الصيام كره وإن كان يقوم مقامه فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة (١).
(قال: يا رسول الله، كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ ) في جميع الدهر (قال: أَو يُطيقُ ذلك أحد؟ ) الهمزة أصلها الاستفهام، وهي هنا للتوبيخ، وأما الواو التي بعدها، فقال الأخفش: هي زائدة (٢). والصحيح أنها واو العطف مفتوحة على أصلها، والأصل تقديم هذِه الواو على همزة الاستفهام، والتقدير: وأيطيق ذلك أحد؟ وإنما قدمت الهمزة على الواو لأنَّ لها صدر الكلام، والزمخشري يذهب إلى أن ثَمَّ محذوفًا معطوفًا عليه مقدرًا بين الهمزة وحرف العطف (٣).
(قال: يا رسول الله، فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: ذلك صوم داود -عليه السلام -)، وسيأتي عليه الكلام في الباب بعده. (قال: يا رسول الله
(١) (٢١٥٢)، وانظر: "فتح الباري" لابن حجر ٤/ ٢٢٢. (٢) "معاني القرآن" ١/ ٣٣٣، وفيه أنها للعطف دخلت عليها ألف الاستفهام. (٣) "الكشاف" ٢/ ٦٧٩.