وقوله: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)} ابتداءٌ وخبرٌ، يعني: ما أنت إلا رسولٌ تنذرهم النارَ وتُخَوِّفُهُمْ، وليس عليك غير ذلك، وهو قوله:{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} يعني: القرآن {بَشِيرًا} بالجنة {وَنَذِيرًا} بالنار، وهما منصوبان على الحال (١){وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ}؛ أي: وما من أمة {إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)} يعني: سَلَفَ فيها نَبِيٌّ.
قوله:{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يا محمَّدُ، يعني أهل مكة، يُعَزِّي نَبيَّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، {فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)} المعنى واحدٌ، وإنما كرر ذلك لاختلاف اللفظينِ، {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ} {كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)} يعني: إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة، وهو اسمٌ بمعنى الإنكار.
قرأ وَرْشٌ:"نَكِيري" بياءٍ في الوصل فقط، وقرأ الباقون بغير ياءٍ في الحالينِ، نظيره قوله تعالى:{فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}(٢)، وقد مضى ذكره في سورة سبأٍ (٣).
قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا} بِيضٌ وحُمْرٌ وصُفْرٌ، مختلفٌ في طعمها ورائحتها، وإنما قال:{مُخْتَلِفًا}؛ لأنه قُدِّمَ النَّعْتُ على الاسم؛ فلذلك نُصِبَ، وإذا تقدم نعت النكرة عليها نُصبَ على الحال، كقولك: هذا رَجلٌ مقبِلٌ، وهذا مُقْبِلًا رَجلٌ (٤).
(١) وهي الحال اللازمة الذِّكْرِ. (٢) سبأ ٤٥. (٣) ينظر ٢/ ١٨١. (٤) ونظيره قوله تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: ٣]، وينظر ما سبق في سورة الأنبياء ١/ ١٧٩.