ثم أراه آيةً أخرى، فقال تعالى:{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} يعني: جَيْبَ المِدْرَعةِ (٢) من قِبَلِ صدره، وكانت المِدْرَعةُ مِصْرِيّةً، وقيل (٣): معنى {فِي جَيْبِكَ}؛ أي: في قميصك، ولهذا سُمِّيَ القميصُ جَيْبًا؛ لأنه يُجابُ؛ أي: يُقْطَعُ، فكل شيء قطعتَه فقد جَيَّبْتَهُ، فأَدْخَلَ يَدَهُ في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ (١٢)}؛ أي: بَرَصٍ وآفةٍ، ومحل {بَيْضَاءَ} نصب على الحال.
قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} يعني: مضيئة بيِّنةً واضحة، نظيرها قوله تعالى:{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}(٤)، وهو منصوب على الحال، وقوله تعالى:{وَقَالُوا هَذَا}؛ أي: هذا الذي نراه عِيانًا {سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا} يعني بالآيات، {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} أنها من عند اللَّه، وأنها ليست بسحر
(١) هذا عجز بيت من بحر الكامل، للبيد بن ربيعة يصف حمارًا وأَتانَه، وصدره: حَتّى تَهَجَّرَ فِي الرَّواحِ وَهاجَهُ اللغة: التهجير: السير في الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، الرواح: السير بعد الزوال، هاجَهُ: أَثارَهُ، المُعَقِّبُ: الذي يَتْبَعُ حَقًا له يَسْتَرِدُّهُ. التخريج: ديوانه ص ١٥٥، معاني القرآن للفرَّاء ٢/ ٦٦، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٤٧، ٢/ ٢٢٣، الإنصاف ص ٢٣٢، شرح شواهد الإيضاح ص ١٣٣، شرح المفصل ٢/ ٢٤، ٤٦، ٦/ ٦٥، ٦٦، عين المعاني ورقة ٩٥/ ب، شرح الكافية للرَّضي ١/ ٣٤٣، ٣/ ٤٨١، اللسان: عقب، خزانة الأدب ٢/ ٢٤٢، ٢٤٥، ٨/ ١٣٤. (٢) المِدْرَعةُ: ثوب من صوف مشقوقٌ من المُقَدَّمِ. اللسان: درع. (٣) قاله قتادة، ينظر: الوسيط ٣/ ٣٧٠، البحر المحيط ٧/ ٥٦. (٤) الإسراء ٥٩.