وقيل (١): الحاقّةُ الأُولَى مرفوعة بالثانية؛ لأن الثانية بِمَنْزِلةِ الكناية عنها، والحاقّةُ الثانية مرفوعة بـ {مَا}، و {مَا} بمَعْنَى: أيُّ شَيْءٍ؟، وهو رَفَعَ الحاقة الثانية، ومثله: {الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ} (٢){وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}(٣) ونَحْوُهُما.
ثم زاد في التهويل، فقال:{وَمَا أَدْرَاكَ} يا محمد {مَا الْحَاقَّةُ}؛ أي: كَأنَّكَ لَسْتَ تعلمها، إذْ لَمْ تُعايِنْها، ولَمْ تَرَ ما فيها من الأهوال، لولا أن اللَّه تعالى أدْراكَ ما هي، فَسَمّاها الحاقَّة.
و {مَا} الأولى ابتداء، و {مَا} الثانية ابتداءٌ ثانٍ، و {الْحَاقَّةُ} خبرها، والجملة في موضع نصب بـ {أَدْرَاكَ}، و {أَدْرَاكَ} وما اتصل به خبر عن {مَا} الأولى، وفي {أَدْرَاكَ} ضميرُ فاعلٍ يعود على {مَا} الأُولَى، و {مَا} الأولى والثانية استفهام فلذلك لَمْ يعمل {أَدْرَاكَ} في {مَا} الثانية وعَمِلَ في الجملة، وهو استفهام فيه معنى التعظيم (٤) والتَّعْجِيبِ، و {أَدْرَاكَ} فعل يتعدى إلَى مفعولين، الكاف المفعول الأول، والجملة في موضع الثانِي، ومثله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} (٥)، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}(٦)، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}(٧)،
(١) قاله الفراء في معاني القرآن ٣/ ١٨٠، وهو مذهب الكوفيين في أن المبتدأ والخبر يترافعان. (٢) القارعة ١ - ٢. (٣) الواقعة ٢٧. (٤) في الأصل: "فيها التعظيم". (٥) الانفطار ١٧ - ١٨. (٦) المطففين ١٩. (٧) المطففين ٨.