أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، وممّن تشوّف بفطرته إلى العلم ممّن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي؛ لفقدان الصنائع في «أهل البدو»(١)، وقد دلَّل على ذلك بما كان عليه حال بغداد، وقرطبة، والقيروان، والبصرة، والكوفة، لما كثر العمران فيهم، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفنَّن أهلها في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتى أَرْبَوْا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين (٢)، كما أنه لم يُهمل ذكر ما شهدته مصر في ظلِّ حُكم المماليك، فوصف ذلك بقوله: «فاستكثروا في بناء المدارس والزوايا والرُّبُط (٣)، ووقفوا عليها الأوقاف المُغَلَّة، يجعلون فيها شَرَكًا (٤) لولدهم، ينظر عليها، أو يُصيب منها، مع ما فيهم غالباً من الجنوح على الخير، والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد، وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها الناسُ في طلب العلم من العراق والمغرب، ونَفَقَتْ بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها» (٥).
هذا ما كان عليه حال البيئة السياسية والفكرية في مصر وبلاد الشام، ولهذا شهد القرن الثامن بروز العديد من الأئمة والعلماء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت مصنفاتهم، وبلغت من الكثرة والجودة ما بلغت، فحسبنا أن نذكر منهم مثلاً: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٣ هـ)، وشرف الدين أبو محمد الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ)، وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، وابن التركماني (ت ٧٣١ هـ)، وبدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ)، وابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ)، وقطب الدين الحلبي (ت ٧٣٥ هـ)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ)، وجمال الدين المزي (ت ٧٤٢ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٧ هـ)، وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، وولده تاج الدين (ت ٧٧١ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ممن
(١) تاريخ ابن خلدون، المقدمة (١/ ٥٤٨). (٢) ينظر: مقدمة ابن خلدون (٥٤٧/ ١ - ٥٤٨). (٣) جمع الرّباط: وهي الأماكن المبنية للفقراء، ويجمع على رباطات، وهو الأشهر. ينظر: التعريفات الفقهية (ص ١٠٢). (٤) الشَّرَكُ: الحصة. لسان العرب (١٠/ ٤٤٨)، مادة: (شرك)، وينظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٦٧). (٥) مقدمة ابن خلدون (١/ ٥٤٩).