للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الهجرة، وأوّل مَنْ حُفظ عنه أنه بنى مدرسةً في الإسلام أهل نيسابور، بنيت بها المدرسة البيهقية» (١)، ثم شرع بذكر أسماء المدارس التي بنيت بعدها، حتى انتهى به المطاف إلى ذكر أسماء المدارس التي شُيّدت بالقرن الثامن، والناظر فيما ذكره بهذا الخصوص ليَعْجَبُ من كثرة عدد المدارس، ومن شدّة اهتمام واعتناء الملوك والأمراء في ذلك الوقت ببنائها، حتى حدا به الأمر لأن يقول في سياق ذكره للأحباس وما كان يُعمل فيها من غير جهة: «الجهة الثالثة: الأوقاف الأهلية؛ وهي التي لها ناظر خاص، إما من أولاد الواقف، أو من ولاة السُّلطان، أو القاضي، وفي هذه الجهة الخوانك (٢)، والمدارس، والجوامع، والتَّرَب، وكان متحصلها قد خرج عن الحد في الكثرة، لِمَا حَدَث في الدولة التركية، من بناء المدارس، والجوامع والترب وغيرهما، وصاروا يُفْرِدُون أراضي من أعمال مصر والشامات، وفيها بلاد مقرّرة، ويقيمون صورةً يتملكونها بها، ويجعلونها وقفًا على مصارف كما يريدون» (٣).

وهذا بدوره قد ألقى بظلاله على طبيعة الحياة العلمية، والحركة الفكرية في هذا العصر، حتى أصبحت كل من مصر وبلاد الشام خاصةً، مركزًا من مراكز العلم بما توافر فيهما من المدارس ودور القرآن والحديث الشريف وغيرها من العلوم، كلُّ ذلك جعل هذين القطرينِ مَحَطَّ أنظار العلماء، ومقصد طلبة العلم، وهذا أمر ليس بالمستغرب، ولذلك عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا قال فيه: «الفصل الثالث: في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العُمران وتعظم الحضارة»، ثم قال: «والسبب في ذلك أن تعليم العلم - كما قدمناه - من جملة الصنائع، وقد قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار (٤)، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة؛ والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال


(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ١٩٥).
(٢) الخوانك: جمع خانكاه، وهي كلمة فارسية معناها بيت، وقيل أصلها خونقاه؛ أي: الموضع الذي يأكل فيه الملك والخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٢٨٠)، وينظر: مختار الصحاح (ص ٩٨).
(٣) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٨٩).
(٤) يعني على خلاف ما هو عليه الحال في الأرياف والبوادي، لانتفاء عوامل ذلك فيهما، على ما سيأتي بيانه في كلام ابن خلدون.

<<  <  ج: ص:  >  >>