وجابر يقول: إنّه «صلّى الظهر بمكّةَ»(١)، وهو ظاهر حديث عائشة من غيرِ رواية أبي الزبير هذه (٢)، التي فيها أنّه أخر الطَّواف إلى الليل. وهو شيء لم يُعرف إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس، ولم يذكر هاهنا سماعًا من عائشة، وقد عُهد يروي عنها بواسطة، ولا أيضًا من ابن عبّاسٍ، فقد عُهِدَ كذلك يروي عنه بواسطة، وإن كان قد سمع منه.
١٣٩٣ - فمما (٣) رواه عن عائشة، وصرَّح بمن بينه وبينها، «قصَّةُ بَرِيرة»، يرويه
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٢/ ٨٨٦) الحديث رقم: (١٢١٨) في أثناء حديث جابر الطويل، وفيه قوله: «ثم ركب رسول الله ﷺ، فأفاض إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر … » الحديث. (٢) يشير إلى ما أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار (٢/ ٢٠١) الحديث رقم: (١٩٧٣)، والإمام أحمد في مسنده (٤١/ ١٤٠) الحديث رقم: (٢٤٥٩٢)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك باب البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق (٤/ ٣١١) الحديث رقم: (٢٩٥٦)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة (٩/ ١٨٠) الحديث رقم: (٣٨٦٨)، جميعهم من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن عائشة قالت: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكَثَ بها ليالي أيام التشريق؛ … الحديث. ورجال إسناده ثقات غير محمد بن إسحاق، فهو صدوق مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن حبان، فانتفت شُبهة تدليسه. وظاهر هذه الأحاديث كما ذكر الحافظ ابن القطان أنها متعارضة، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى محاولة الجمع بينها، فقال ابن خزيمة بإثر هذا الحديث: «هذه اللفظة: حين صلّى الظهر؛ ظاهرها خلاف خبر ابن عمر الذي ذكرناه قبل: «أنّ النبي ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى»، وأحسب أن معنى هذه اللفظة لا تُضادّ خَبر ابن عمر، لعلّ عائشة أرادت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه، حين صلّى الظهر بعد رجوعه إلى منى، فإذا حمل خبر عائشة على هذا المعنى لم يكن مخالفًا لخبر ابن عمر، وخبر ابن عمر أثبت إسنادًا من هذا الخبر، وخبر عائشة ما تأوَّلتُ من الجنس الذي نقول: إن الكلام مقدم ومؤخَّر، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]، ومثل هذا في القرآن كثير». وقد رجح ابن حزم في كتابه حجة الوداع (ص ٢٩٦) بإثر الحديث رقم: (٣٠٤) أنه صلى الظهر بمكة. فقال: «الأغلب عندنا أنه صلّى الظهر في ذلك اليوم بمكة لوجوه»، فذكرها، وأولها كما قال: اتفاق عائشة وجابر على ذلك، وعقب الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٨٢) على كلامه هذا بقوله: وقال غيره: يُحتمل أنه أعادها لبيان الجواز». (٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٥) الحديث رقم: (٢٣٠٦).