فإذا عرفنا أنه عليه الحج من قابل، فقد عرفنا أنه لم يحج قبل، فمن هاهنا رأى أنه قد وفى المعنى حقه.
فأقول: إنه بقي عليه أمر آخر، وذلك أن لفظ الخبر يمكن أن يستفاد منه وجوب التعجيل في أول سني الإمكان زيادة على الوجوب، حتى يكون من فسد حجه يجب عليه المجيء من قابل حاجا، ولا يجوز له التراخي، ولو كنا نقول: إن الحج في الأصل على التراخي، واللفظ الذي نقله هو به لا يعطي ذلك.
فإن قلت: وهذا الذي زعمت أنه يستفاد منه لا يعرف قائل به (١).
أجبت بأنه لا يلزمني أن أجد به قائلا، بل يكفي انقداحه فيما أردت من وجوب الإتيان بلفظ يؤديه للمتفقه، ثم يتركه بدليل إن دل، أو يقول به إن لم يكن هناك ما يأتي عليه القول [به](٢).
١٣٤٤ - وذكر (٣) من طريق أبي داود (٤)، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، أنه
والحديث بهذا اللفظ أورده ابن حزم في المحلى (٥/ ١١٨)، من طريق أبي معاوية المدني، عن يزيد بن عياض بن جعدبة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله ﷺ قال: «من أجاز بطن عرنة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له». وذكر أن أبا معاوية مجهول، وأن يزيد بن عياض كذاب، وقال: «ثم هو مرسل». (١) ذكر ابن المواق في بغية النقاد النقلة (١/ ٤٢٤ - ٤٢٨) تحت الحديث رقم: (١٨٩) ما ذكره ابن القطان هنا، ثم تعقبه بأن هذا مذهب الإمام الشافعي، وذكر الأدلة على ذلك. (٢) ما بين الحاصرتين زيادة من بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٩٠)، وبها يكتمل المعنى. (٣) بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٧٥) الحديث رقم: (١٥٦)، وهو في الأحكام الوسطى (٢/ ٣١٣). (٤) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب في إفراد الحج (٢/ ١٥٦) الحديث رقم: (١٧٩٠)، من طريق محمد بن جعفر غندر، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم (هو ابن عتيبة)، عن مجاهد، عن ابن عباس، به. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج (٢/ ٩١١) الحديث رقم: (١٢٤١)، عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (بندار)، كلاهما عن محمد بن جعفر غندر، به. وقال أبو داود بإثره: «هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس». قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (١/ ٥٢١): «وفيما قاله أبو داود نظر؛ وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وعثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عن شعبة مرفوعا، ورواه أيضا يزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، عن شعبة مرفوعا. وتقصير من يقصر به من الرواة، لا يؤثر فيما أثبته الحفاظ، والله ﷺ أعلم».