فقال (١) فيه: إنه أيضًا لم يسمع من أبيه (٢)، ولكن ذلك مُعَنْعَنٌ كسائر ما يُروى عن أبيه، فأما هذا ففيه:(حدثني أبي)، وهو عندهم مدفوع بالإنكار على النضر بن شيبان.
وهو الذي قصدتُ الآنَ بيان ما أجمل أبو محمّدٍ من حاله، فإنه لو كان ثقةً، ثَبَتَ سماعُ أبي سلمة من أبيه لجملة أحاديث يرويها عنه مُعَنْعَنةً؛ لكنه - أعني النَّصْرَ بنَ شيبانَ [الحُدَّاني](٣) - ليس ثقةً، قال ابن أبي خيثمة: سُئل ابن معين عنه؟ فقال: ليس حديثه بشيء (٤).
وذكر (٥) البخاري (٦) روايته، عن أبي سلمة، عن أبيه، فيمن صام رمضان وقامه (٧)، ولم يتشاغل منها بما فيها من ذكرِ سماعه من أبيه أو عَدَمِه، وإنَّما تشاغل منها بأمرٍ آخر، وهو أن الزُّهري ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أبي كثير رَوَوْهُ، عن أبي سلمة، فقالوا فيه: عن أبي هريرة، لا: عن أبيه، قال البخاري: وهو أصح.
وهذا عندي من ذلك الباب الذي جَرَتْ عادتهم بالتسامح فيه من جَمْعِ الطرق وضَرْبِ بعضها ببعض من غير تعيين لفظ لطريق منها.
وفي الحقيقة ليس كذلك، فإنّ الذي روى هؤلاء عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ليس فيه «وَسَنَنْتُ لكم قيامَهُ»، وإنّما رُويَ اللفظ المذكور عنه، عن أبيه.
وهكذا أيضًا فَعَلَ الدارقطني في كتاب «العلل»، ذكر أن الزهري قال فيه: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا أنّه تحرز فقال: ولم يذكر فيه: «وَسَنَنْتُ لَكُمْ قيامه»(٨) فكان هذا من الدارقطني أصوب. ويُقال له - مع ذلك -: فلم تجعل هذا اختلافًا على أبي سلمة، وهما حديثان؟! وحَكَمَ الدارقطني بأن حديث الزهري أشبه بالصَّوابِ، ولم يُبيِّن لماذا، وإنما ذلك لما قلناه من ضَعْفِ النَّصْرِ بن شيبان، وهو المُنفَرِدُ به، وإن كان قد رواه عنه غير واحد.
(١) عبد الحق في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٣٥). (٢) يعني بذلك؛ لم يسمع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من أبيه شيئًا. (٣) تصحف في النسخة الخطية إلى: (الحراني)، تصويبه من بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٤٣) والمصادر. (٤) التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، السفر الثالث (٢/ ١٣٩) رقم: (٢٠٨٧). (٥) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٤٤) الحديث رقم: (١٢٠١). (٦) في التاريخ الكبير (٨/ ٨٨) ترجمة النضر بن شيبان الحداني، برقم: (٢٢٨٧). (٧) يعني بذلك الحديث المتقدم برقم: (١٢٤٣، ١٢٦٩). (٨) وأضاف الدارقطني بعد ذلك قوله: «وإنما ذكر فيه: فَضْل صيامه. وحديث الزهري أشبه بالصواب». علل الدارقطني (٤/ ٢٨٣) الحديث رقم: (٥٦٥).