قوله: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)} يعني القرآن، و {تَنْزِيلٌ} رفع خبر الابتداء، والابتداء قوله:{حم}(١)، والحكمة أن يكون خَبَرَ ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هذا القرآن تَنْزِيلُ، وقال الأخفش (٢) والزَّجّاجُ (٣): {تَنْزِيلٌ} مبتدأٌ، وخبره قوله:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}؛ أي: بُيِّنَ حَلالُهُ وحَرامُهُ، وأمْرُهُ ونَهْيُهُ، ووَعْدُهُ ووَعِيدُهُ {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)}؛ أي: يفهمون اللسان العَرَبِيَّ، ولو كان غَيْرَ عَرَبِيٍّ لَما عَلِمُوهُ.
وفي نصب القرآن ستة أوجهٍ، أحدها: أنه شُغِلَ الفعلُ بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، ونصب القرآن بوقوع البيان عليه (٤)، والثانِي: على المدح (٥)، والثالث: على إعادة الفعل؛ أي: فَصَّلْناهُ قرآنًا عَرَبِيًّا (٦)، والرابع: على إضمارِ
(١) هذا الوجه والذي يليه حكاهما الزجاج عن الفراء في معانِي القرآن وإعرابه ٤/ ٣٧٩، ولَمْ أقف عليه في معانِي القرآن للفراء، وينظر أيضًا: إعراب القرآن ٤/ ٤٧، إعراب القراءات السبع ٢/ ٢٧٥، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٢٦٩، وهذا إذا جُعِلَ "حم" اسْمًا للسورة، وينظر: الفريد ٤/ ٢٢٣. (٢) معانِي القرآن للأخفش ص ٤٦٤. (٣) معانِي القرآن وإعرابه ٤/ ٣٧٩، قال الزجاج: "هذا مذهب البصريين". (٤) هذا قول الكسائي والفراء والأخفش، ينظر: معانِي القرآن للفراء ٣/ ١١، معانِي القرآن للأخفش ص ٤٦٤، ومعناه أن القرآن مفعولٌ ثانٍ لـ "فُصِّلَتْ" المبني للمفعول، والأول هو نائب الفاعل "آياتُهُ"، وينظر أيضًا: إعراب القرآن ٤/ ٤٧، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٢٦٩. (٥) هذا قولٌ آخَرُ للأخفش، قاله في معانِي القرآن ص ٤٦٤، وقاله النحاس في إعراب القرآن ٤/ ٤٧، وينظر أيضًا: مشكل إعراب القرآن ٢/ ٢٦٩، البيان للأنباري ٢/ ٣٣٦، الفريد ٤/ ٢٢٣. (٦) ذكره الثعلبي بغير عزو في الكشف والبيان ٨/ ٢٨٥، وينظر: عين المعانِي ورقة ١١٧/ أ، تفسير القرطبي ١٥/ ٣٣٧، البحر المحيط ٧/ ٤٦٣، الدر المصون ٦/ ٥٥.