فلذلك جاز أن يقال للمتقين للَّهِ: اتقوا اللَّه. وقال قوم (١): هذا خطاب للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والمراد به أمته، واحتجوا بِآخِرِ الآيةِ (٢): {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)} قرأ أبو عمرٍو بالياء (٣) على الغيبة للكافرين والمنافقين، وقرأ الباقون بالتاء على خطاب الحاضرين.
قوله تعالى:{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} نزلت فِي أبِي مَعْمَرٍ جميلِ بن معمر بن حبيب بن عبد اللَّه الفِهْرِيِّ (٤)، وكان رجلًا لبيبًا حافظًا لِما يسمع، فقالت قريشٌ: ما حَفِظَ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إنّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ أعْقِلُ بكل واحدٍ منهما أفضل من عقل محمدٍ، فكَذَّبَهُ اللَّه تعالى في ذلك، وأخْبَرَ أنه ما خَلَقَ لأحَدٍ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ (٥).
{وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} مفعولان، وهو مشتق من الظَّهْرِ؛ لأن الظَّهْرَ موضع الركوب (٦)، وكان الظِّهارُ طلاقًا فِي الجاهلية،
(١) هذا قول ابن قتيبة، قاله في تأويل مشكل القرآن ص ٢٧٠، وينظر: زاد المسير لابن الجوزي ٦/ ٣٤٨. (٢) يعني آخر الآية الثانية، وليس آخر الآية الأولى كما يوهم كلامه. (٣) قرأ أبو عمرو والحسن واليزيدي والسلمي وابن أبِي إسحاق: "يَعْمَلُونَ" بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب، ينظر: السبعة ص ٥١٨، حجة القراءات ص ٥٧٠، تفسير القرطبي ١٤/ ١١٥، إتحاف فضلاء البشر ٢/ ٣٦٩. (٤) هو الذي أخبر قريشًا بإسلام عمر بن الخطاب، وكان لا يكتم سرّا سمعه، ثم أسلم وشهد حُنَيْنًا، ثم شهد فتح مصر، وتوفي في أيام عمر وقد قارب المائة. [أسد الغابة ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، الإصابة ١/ ٦٠٥]. (٥) ينظر: الكشف والبيان ٨/ ٦، أسباب النزول ص ٢٣٦ - ٢٣٧، الوسيط ٣/ ٤٥٧ - ٤٥٨، عين المعانِي ورقة ١٠٢/ ب. (٦) قاله النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٣٠٢، وينظر: تهذيب اللغة ٦/ ٢٤٩.