وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ للكافر، يحسَبُ أنّ عمَله مُغْنٍ عنه أو نافِعُهُ شيئًا، فإذا أتاه الموتُ احتاج إلى عمله، فلم يجد عملَه أغنى عنه شيئًا ولا نَفَعَهُ.
وقوله:{يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} يعني: الشديدُ العطش، يقال: ظَمِئَ الرجلُ يَظْمَأُ ظَمَأً فهو ظَمْآنُ، {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ} يعني: جاء إلى السَّرابِ {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} يعني: شيئًا مما حَسِبَ وقَدَّرَ، {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} قال الفَرّاء (٢): يعني: وَجَد اللَّهَ عند عملِه. {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} جازاه بعمله، وهذا في الظاهر خَبَرٌ عن الظمآن، والمرادُ به الخبرُ عن الكفار، ولكنْ لمّا ضُرب الظَّمآنُ مثلًا للكفّار جُعِل الخبرُ عنه كالخبر عنهم {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)} سريعُ المجازاة.
قوله تعالى:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ} هذا مَثَلٌ آخرُ ضَرَبَهُ اللَّه تعالى لأعمال الكافر أيضًا، يقول: مَثَلُ أعمالهم في خطئها وفسادِها وضلالتهم في جهالتهم وحَيْرتهم {كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} وهو: العميقُ الكثيرُ الماء، وذلك أَشَدُّ ظُلْمةً، ولُجّةُ البحرِ: مُعْظَمُهُ.
وقوله:{يَغْشَاهُ مَوْجٌ}؛ أي: يعلوه موج {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} متراكمٌ {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ}: قَرأَ ابنُ كثير برواية قُنْبُلٍ والفُلَيحِيِّ (٣): {سَحَابٌ} بالرَّفع والتنوين، {ظُلُمَاتٌ} بالجرِّ: على البدَل من قوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ}.
(١) قاله الفراء في معاني القرآن ٢/ ٢٥٤، وينظر: معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٤٠. (٢) معاني القرآن ٢/ ٢٥٤. (٣) هو: عبد الوهاب بن عطاء بن فُلَيْحٍ بن رياح، أبو إسحاق المكي، إمام أهل مكة في القراءة، صدوق، أخذ القراءة عن داود بن شبل، مات سنة (٢٥٠ هـ). [غاية النهاية ١/ ٤٨٠، ٤٨١].