وإما أن يكونَ عَلِمَ من أمر هذيل بن الحكم المذكور أن ابن أبي حاتم - وهو مَلْجَؤُه في التعديل والتجريح - قد ذكَرَه [برواتِه](١) من فوق ومن أسفل (٢)، وأهمله من التعديل والتجريح (٣)(٤).
فحمل الأمر على ما عُهد منه في أمثاله من قَبُول رواياتِ مَنْ روى عن أحدهم أكثر من واحدٍ، فصحح الحديث لأجل ذلك، فلم يذكر له علةً، وحَمَل كلام الدارقطني على ما ذهب إليه فأساءَ النَّقْل عنه.
وقد بينا قبل ونبين الآنَ أنّ أبا محمد بن أبي حاتم إنما أهمل هؤلاء من الجرح والتعديل؛ لأنه لم يعرفه فيهم، فهم عنده مجهولو الأحوال، بين ذلك عن نَفْسِه في أول كتابه (٥)، وهم على قسمين:
قسم: لم يَرْوِ عن أحدهم إلا واحد، فهو لا تقبل روايته.
وقسم: روى عن أحدهم أكثر من واحدٍ، فهؤلاء هم المساتير الذين اختلف في قبول رواياتهم.
فطائفة من المحدثين تقبل رواية أحدهم اعتمادًا على ما ثبت من إسلامه برواية عَدْلَين عن شريعة من الشَّرائع، وما عَهِدْنَاهُم يَرْوُونَ الدِّينَ والشَّرْعَ إِلَّا عن مسلم، وهم لا يبتغون في الشاهد والراوي مزيدًا على إسلامه، بل يقبلون منه ما لم يتبيَّن جرحه فيُعمل بحَسْبِها.
وطائفة ردت روايات هذا النوع، وهم الذين يلتمسون في الشاهد والراوي مزيدًا على إسلامه، وهو العدالة فما لم تَثْبُتْ عدالة أحدِهم لم تقبل روايته، وأبو محمد عبد الحقِّ بنى على قول (٦) الطائفة الأولى، فهو دائبًا يَقْبَلُ روايات هؤلاء
(١) في النسخة الخطية: «برواية»، ولا يصح هنا، والمثبت على ما يستلزمه السياق من بيان الوهم (٥/ ١٥٠). (٢) أراد بقوله: «من فوق ومن أسفل» مَنْ روى عنهم ومَنْ رووا عنه؛ يعني فوقية الطبقة ودونها. (٣) الجرح والتعديل (٩/ ١١٣) ترجمة رقم: (٤٨٠). (٤) جاء بعد هذا في النسخة الخطية: «قد ذكره رواية»، وهو مكرّر ما قبله، وقد أشار الناسخ إلى معنى ذلك بكتابه الحرف «لا» فوق الحرف «قد»، و «إلى» فوق كلمة «رواية». (٥) الجرح والتعديل (٢/ ٣٨). (٦) من قوله: «فما لم تثبت عدالته … » إلى هنا ممحو من أصل بيان الوهم والإيهام فيما ذكر محققه (٥/ ١٥١)، وأثبت بدلًا منه ما نصه: «أرى أبا محمد عبد الحق إلا أنه ذهب =