قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا فليُلْقِ الشك وليبن على اليقين» (١)، فقد أمرنا بالبناء على اليقين ولم يفصل، والمعنى: أن هذا سهو لو تكرر منه لم يوجب الاستقبال؛ فكذا إذا وجد أول مرة، ولأن الإجماع في هذه المسألة يبني على اليقين.
أما عندكم فيستأنف؛ لأن فيه خروج بيقين، فالبناء على الأقل أولى؛ لأن فيه صيانة الصلاة عن القطع، وفي الاستقبال قطع، والصلاة تصان عن القطع ما أمكن مع أن فيه إبطال العمل.
ولنا: الحديث المذكور في الكتاب، والمعنى فيه: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين بلا مشقة؛ فلزمه ذلك قياسًا على ما ذكرنا من المسألتين.
وإنما قلنا: أنه قدر على إسقاط ما عليه بيقين؛ لأنه متى استقبل يتحقق الإسقاط يقينا، ومتى بنى على الأقل لا يصير خارجًا عما عليه بيقين؛ لأنا نفرض الكلام فيما إذا شك أنه صلى أربعًا أو خمسًا أو كم صلى، فلو قلنا بأنه يبني على الأقل لا يخرج عما عليه بيقين؛ لاحتمال أنه صلى خمسا، وبترك القعدة الأخيرة والاستئناف يخرجه بيقين وهو قادر عليه بلا مشقة؛ لأنه لم يعتد هذا، فالظاهر: أنه إذا استقبل لا يقع له هذا الشك في المرة الثانية، وكان القياس فيما تكرر منه السهو أن يستقبل ولا يتحرى حتى يخرج عما عليه بيقين، إلا أنا لو أمرناه بالاستقبال يقع له هذا الشك في الاستقبال؛ لأن الشك صار عادة له، فيتعذر عليه المضي في الصلاة؛ فلهذا يتحرى ويسقط عنه الاستقبال.
وحديث ابن مسعود محمول على ما إذا تكرر منه؛ بدليل ما روينا، نفيًا للتناقض وجمعا بين الأحاديث بقدر الإمكان.
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٦٩، رقم ١٠٢٤) وهو بنحوه عند رواه مسلم (١/ ٤٠٠، رقم ٥٧١).