وروى أبو داود (١) عن زيد بن أرقم: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، فنزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِيناً عن الكلام، والآية في سورة البقرة، وهي مدنية بالإجماع، وصحبة زيد بن أرقم كانت بالمدينة لرسول الله، فيثبت به أن نسخ الكلام بعد قدوم النبي ﵇ من مكة وإسلام أبي هريرة، وكونه متأخرا لا يقدح بالقول بالنسخ؛ لأن أبا هريرة صحب النبي ﵇ أربع سنين، وليس بممتنع أن تكون الآية المُحَرِّمة للكلام نزلت بعد إسلامه، فلا يجوز الاحتجاج به ما لم يقم دليل على أنه كان بعد نسخ الكلام، وإنما لم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة؛ لأن نسخ الكلام ثبت بعده، لقوله:«إنَّ صلاتنا هذه … » الحديث (٢). كذا في الْمُجْتَبى (٣)
وهذا غير قوي؛ لما روي أن معاوية بن الحكم قال: صليت خلف النبي ﵇، فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم ينظرون إلي شزراً، فضربوا أيديهم على أفخاذهم، علمت أنهم يسكتونني، فلما فرغ النبي ﵇ دعاني، والله ما قهرني ولا زجرني، ولكن قال:«إن صلاتنا … » الحديث، وهذا يدل على أن نسخ الكلام قبله، وحديث ابن مسعود يدل على نسخه قبله.
ثم الكلام العمد قليلا كان أو كثيراً، طال أو قصر، لإصلاح الصلاة أو لا؛ مفسد، وعند مالك: إن كان لإصلاح الصلاة لا تفسد؛ كإعلام إمامه سهوه إن لم ينتبه إلا بالكلام (٤)، وهكذا حكي عن الأوزاعي، وقال: إذا تكلم عمدًا فيها بكلام واجب عليه لا تبطل، وذلك أن يخاطب الرسول أحدا من القوم وهو في الصلاة فتجب الإجابة؛ لأنه ﵇ مر على أبي وهو يصلي، فقال ﵇:«السَّلامُ عليكَ يا أُبَيّ»، فلم يَرُدّ عليه، فقال ﵇: «ما مَنعَكَ أن
(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٤٩، رقم ٩٤٩) وهو عند البخاري (٢/ ٦٢، رقم ١٢٠٠) (٢) تقدم تخريجه قريبا. (٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٩٧). (٤) انظر: التلقين للثعلبي (١/٤٨)، والتاج والإكليل للمواق (٢/ ٣١١).