للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الإِصْلَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَأُلْحِقَ قَصْدُ الإِصْلَاحِ بِحَقِيقَتِهِ … ... … ...

(بحقيقته)؛ أي: تحقيق الإصلاح، فإن القصد إلى الشيء يجعل كأنه يفعل ذلك الشيء في الشرع، نظيره: ما لو تترس الكفار بأسارى المسلمين؛ فإنه يباح الرمي إليهم، بشرط إن كان قصدهم الرمي إلى الكفار، وكما ألحقنا البغاة بتأويلهم الفاسد بأهل العدل في الأحكام، وإن فارقوهم في الآثام، وبحقيقة الإصلاح لم تفسد صلاته؛ فكذا إذا انصرف على قصده.

فإن قيل: لو كان قصد الإصلاح ملحقاً بحقيقته، ينبغي أن يجوز البناء بعد الخروج من المسجد، كما في حقيقة الإصلاح، وكما في صورة الاستخلاف.

قلنا: الحكم يثبت على حسب دليله، ثم في حقيقته وجد شيئان في الانصراف: قصد الإصلاح، وقيام العذر، فيقوى أحدهما بالآخر، فيثبت لحقيقة الإصلاح من القوة ما لم تكن لغيرها، فلا تفسد به خرج من المسجد أو لا، وفي تلك المسائل - وهي المتيمم أو الماسح، ومصلي الظهر - لم يوجد واحد منهما، فيبقى مجرد الانصراف فتبطل، وفي مسألتنا وجد أحدهما وهو قصد الإصلاح، ولم يوجد الآخر وهو قيام العذر، فقلنا بأنه لا يفسد ما دام في المسجد؛ عملاً بقصد الإصلاح؛ لما أن المسجد لمكان واحد، بدليل صحة الاقتداء، وعدم تكرر وجوب سجدة التلاوة، وبالخروج تفسد؛ لعدم قيام العذر، ولاختلاف المكان حقيقة وحكماً، وفي صورة الاستخلاف لا يجوز البناء؛ لكثرة الأفعال المنافية للصلاة؛ ألا ترى لو انصرف بعد سبق الحدث، واستقى ماءً لوضوئه؛ تفسد. كذا في الخبازية (١)، وفيه تأمل.

وقيل: في الاستخلاف لا يكون ضرورة ما دام في المسجد، فلا يكون فيه الإصلاح.

وفي جامع التمرتاشي، وحمل النوازل: وكذا الغازي لو ظن حضور العدو فانصرف، والأمر بخلافه؛ لم تفسد ما لم يخرج من المسجد، وفي الصحراء ما


(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٨٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٨٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>