والمراد: إجماع فقهائهم، وقولهم: يترك القياس؛ لأن قولهم: فيما لا يدرك بالقياس كالنص في كونه راجحاً على القياس، مع أنه مؤيد بالحديث.
وجه الاستدلال بالحديث: أن قوله (وَلْيَبْنِ) أمر، وأدنى درجاته الإباحة، فثبت شرعية البناء، ولا يقال: قوله (فليتوضأ) للوجوب، فينبغي أن تكون (وليبن) للوجوب أيضاً.
قلنا: لا يضرنا؛ لأنه لو كان للوجوب يكون الدعاء أثبت، لكن البناء غير واجب بالإجماع، وما رواه الشافعي محمول على ما إذا تعمد الفساد، وقياسه بالحدث العمد فاسد؛ لأنا جوزنا البناء بالخبر والأثر على خلاف القياس، وهما وردا في الحدث السماوي، فلا يقاس الحدث العمد عليه. كذا في المحيط (١)، والمبسوط (٢).
وعن مولانا فخر الدين المَايْمَرْغِي: البناء في الأحداث الخارجة من بدنه موجبة للوضوء دون الغسل، بلا قصده للحدث أو سببه أو من غيره، ولم يأت بعده ما ينافي الصلاة من توقف، أو فعل ينافي الصلاة مما له بد منه، والمشي والانحراف لا ينافيانها، كما في صلاة الخوف.
وقوله ﵇:«تقدم من لم يسبق»(٣) يعني: غير المسبوق، بيان الأفضلية في الحديث «مَنْ قَلَّدَ إنساناً عملاً، وفي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى منه؛ فقد خان الله ورسولَهُ وجماعة المؤمنين»(٤)، والمقتدين بمنزلة الرعايا، فغير المسبوق أولى؛ لأنه أقدر على إتمام الصلاة. كذا في الكاثي (٥).
(١) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٤٨٢). (٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٦٩). (٣) تقدم تخريجه قريبا عند تخريج حديث: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ، وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ». (٤) بلفظ قريب أخرجه الحاكم (٤/ ١٠٤، رقم ٧٠٢٣) من حديث ابن عباس ﵁ وصححه قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٦٢): تعقبه الذهبي في مختصره، وقال: حسين بن قيس ضعيف. والحديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٣/١٧، رقم ١٠٢٠). (٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٢٨)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٢٣٥).