فلما انصرفوا سألهم عن سيرته، فقالوا: كان حسن السيرة (١)، ولكنه صلى بنا يوما وهو جنب، فسأله النبي ﵇، فقال: احتلمت في ليلة باردة، خشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فتيمَّمْتُ وصلّيتُ بهم، فتبسم النبي ﷺ، وقال:«يا لك من فقه عمرو بن العاص»(٢)، ولم يأمرهم بالإعادة.
ولأنه طاهر اقتدى بطاهر، فإن التيمم عند عدم الماء مطهر، والعدم ثابت في حق الكل، فيكون طهارته ثابتة في حقهم.
وأما حديث علي ﵁؛ أراد به نفي الفضيلة والكمال، بدليل عطف المقيد عليه، وهناك المراد نفي الفضيلة بالاتفاق، وفي الحقيقة هذا بناء على ما ذكر في الأصول: أن التراب خلف عن الماء على قولهما، وعنده التيمم خلف عن الوضوء، فيكون المتيمم صاحب الخلف، والمتوضؤ صاحب الأصل عنده، فلا يؤمه.
وعندهما: لما كان التراب خلفاً عن الماء في حصول الطهارة، فبعد حصولها كان شرط الصلاة موجوداً في حق كل واحد منهما بكماله؛ بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين.
وجه قول محمد: قوله ﵇: «التَّيمم وضوء المسلم … » الحديث (٣)؛ جعل التيمم وضوءا دون التراب.
ولهما: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] الآية؛ فقد أقام الصعيد مقام الماء، وقوله ﵇:«الصَّعيدُ الطَّيبُ وضوء المسلم»(٤)، وفهم
(١) في الأصل (السرية)، والمثبت من النسخة الثانية. (٢) وأخرجه أبو داود (١/ ٩٢، رقم ٣٣٤) مختصرا من حديث عمرو بن العاص والحاكم (١/ ٢٨٥، رقم ٦٢٩) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩٠، رقم ٣٣٢) والترمذي (١/ ١٨٤، رقم (١٢٤) والنسائي (١) ١٧١، رقم ٣٢٢) من حديث أبي ذر وقال الترمذي: حسن صحيح. (٤) انظر تخريج الحديث السابق.