بالكتاب أيضاً، فإن تأخير النساء إنما وجب إما لتفضيل الرجال عليهن، وتفضيل الرجال ثابت بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ أوجب لصيانة صلاة الرجل عن الفساد، فإن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة، فربما يشوش الأمر على الرجل، فيكون ذلك سبباً لفساد الصلاة، وصيانتها واجبة بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والخبر جاء مبينا لما ثبت بالنص، لا أن يكون الحكم مقصورا عليه، وفيه تأمل.
والثاني: ما ذكره صاحب الأسرار (١): أن فروض الصلاة لا تثبت بخبر الواحد، أما فروض الجماعة تثبت به؛ لأن أصل الجماعة تثبت بالسنة، ففرضها وشروطها أيضاً تثبت بها، أو لأن تأخيرها في صلاة مشتركة فرض بدلالة الإجماع، فإنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بها مع اتحاد فرضية صلاتهما، وهو لائح عن أوجه: إما لنقصان حالها؛ كما في إمامة الصبي، أو لعدم صلاحيتها؛ كما في الأمي، أو لفوت شرط من شروط الصلاة؛ كما في العاري، أو لفوت ترتيب المقام، أما نقصان الحال مطلقا؛ فغير مانع عن الاقتداء؛ لجواز إمامة العبد والفاسق والأعمى.
وأما عدم الصلاحية فغير مسلم، بل لها صلاحية؛ بدليل جواز إمامتها للنساء، وأما شروط الصلاة فغير فائت، فتعين لعدم جواز الاقتداء بها فوت فرض ترتيب المقام، الثابت بحديث ابن مسعود، ولما عمل هذا الحديث هناك في حق الاقتداء؛ أفاد عدم الجواز بالإجماع، فيفيدها أيضاً عدم جواز صلاة الرجل عند المحاذات لانعدم التأخير.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: والأمر بقوله: «أخروهن … » للإيجاب، ولا موضع يجب تأخيرها إلا في الصلاة (٢).
والدليل عليه: أن امرأة جميلة اقتدت بالنبي ﵇، فيُقَدِّمُها قوم
(١) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (١/ ٣٦٠). (٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢).