لهذه الكرامة التي هي من شعائر الإسلام، وإعلام العظام هذا في فاسق بلا تأويل، كالزاني وشارب الخمر، أما في الفاسق بالتأويل؛ كمن يسب السلف الصالح؛ فعنه فيه روايتان. وعن أحمد روايتان في جواز الاقتداء به مطلقاً، أصحهما: المنع (١).
وقلنا نحن والشافعي (٢): تجوز إمامته؛ لقوله ﵇:«صَلُّوا خلف كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ»(٣)، ولأن ابن عمر وأنساً وغيرهما من الصحابة والتابعين صلوا خلف الحجاج صلاة الجمعة وغيرها، مع أنه كان أفسق أهل زمانه، وروي أن عمر بن عبد العزيز قال: لو جاء كل أمة بجناياتها، وجئنا بأبي محمد - يعني الحجاج - لغلبناهم (٤).
وروي أن حجاجاً كان يخطب يوم الجمعة، فأطال الخطبة حتى كاد يدخل وقت العصر، فقام ابن عمر وقال: أقصر يا مكثار خذلك الله، فلما فرغ الحجاج دعا ابن عمر ليقتله، وقال له: أما تخشى أن الله تعالى سلطني على مالك ودمك فأهريقه، أو على نفسك فأَضُرُّ بها، فقال ابن عمر: أما يكفيني أني صليت خلف رسول الله ﷺ، وخلف أبي بكر وعمر ﵄، والآن أصلي خلفك وأنت من أفسق الناس، ولأن الفاسق ليس من أهل الشهادة والقضاء، فيصلح إماماً بالطريق الأولى، ولكن لا يؤتمن عليه في الأمانة الشرعية، مع أن الناس يستنكفون عن إمامته، وفيه تقليل الجماعة، ولهذا قال أصحابنا: لا ينبغي أن يقتدى بالفاسق إلا في الجمعة؛ لأن في سائر الصلوات تجد إماماً غيره، بخلاف الجمعة، وكان ابن مسعود يصلي خلف الوليد بن عقبة فيها وسائر الصلوات، وكان الوليد والياً بالكوفة وكان فاسقاً، حتى صلى بالناس يوماً وهو سكران. كذا في شرح الإرشاد (٥).
(١) انظر: الهداية للكلوذاني (ص ٩٨)، والمبدع لابن مفلح (٢/ ٧٤). (٢) انظر: الأم للشافعي (١/ ١٩٣)، وحلية العلماء لأبو بكر الشاشي (٢/ ١٩٩). (٣) تقدم تخريجه قريبا. (٤) ذكره ابن الأثير في الكامل (٤/ ٦١). (٥) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٠)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٣٣٣).