للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ القِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ.

وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا.

وَعَلَى هَذَا الأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

(وفي لفظ الكتاب)؛ أي: الجامع.

(إشارة إلى هذا)؛ أي: إلى قول الكرخي، حيث قال فيه: (وإن كان وحده وكان صلاة يجهر فيها؛ قرأ في نفسه، وإن شاء جهر وأسمع نفسه)، فلما فسر الجهر بكونه مسموعاً لنفسه؛ لا بد أن تكون المخافتة ما لم يكن مسموعاً، إذ لو كان إسماع نفسه داخلا في القراءة لكان مستفاداً من قوله: (قرأ في نفسه)، فعلم أن المراد من قوله: (قرأ في نفسه) تصحيح الحروف، يؤيده قول ابن مسعود: من أسمع أذنيه لم يخافت (١).

احتج من قال: (لا يجوز ما لم يسمع نفسه) بأن القراءة كلام، وهو عبارة عما يظهر المرء ما في ضميره، ولهذا قيل: اللسان ترجمان القلب، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع وحروف مضمومة؛ لأن الكلام لا يوجد مع إقامة الحروف، كالكتابة فإنها لا تسمى كلاماً، وإن وجد إقامة حروف مفهومة مظهر لما في الضمير.

وأما قوله: (إن القراءة فعل اللسان). قلنا: نعم، لكن مع الصوت وإقامة الحروف.

وأما قوله: (في الكتاب إشارة إلى ما ادعاه):

قلنا: ليس كذلك، بل فيه دليل على ما قلنا؛ لأنه أراد بقوله: (وقرأ في نفسه) أن يسمع نفسه لا غير، وبقوله: (إن شاء جهر وأسمع نفسه) أن يسمع نفسه وغيره، فصار كأنه قال: المنفرد فيما يجهر بالخيار، إن شاء أسمع نفسه لا غير، وإن شاء أسمع غيره وأسمع نفسه؛ لأن الجهر عبارة عن إسماع الغير. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (٢). (إلى هذا)؛ أي: إلى أن القراءة فعل


(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٢، رقم ٣٦٨٠).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٩٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>