للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الغَلِيظَةِ، وَفِي القِيَامِ أَدَاءَ هَذِهِ الأَرْكَانِ، فَيَمِيلُ إِلَى أَيْهِمَا شَاءَ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ،

وبشر: لا يجوز إلا قائما لقوله لعمران بن الحصين: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» (١)، وهذا الحديث يقتضي الترتيب، حتى لا يجوز لمن يقدر على القيام أن يصلي قاعدًا، والعاري قادر عليه حسا وشرعًا، أما حسّا فظاهر، وأما شرعًا فإنه تجوز الصلاة قائمًا عاريًا بالاتفاق، وقد سقط عنه فرض الستر لعجزه.

وقلنا: القياس هكذا، لكن عرف جواز صلاة العاري بالأثر، فإنه روي عن ابن عباس، وابن عمر أنهما قالا: العاري يصلي قاعدًا بالإيماء، وعن أنس: أن أصحاب رسول الله ركبوا في السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعودًا بالإيماء، ولم يرو عن أقرانهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع، ولهذا قال المزني (٢)، وأحمد (٣): يلزمه أن يصلي قاعدًا.

وأما حديث عمران فقلنا: هذا غير مستطيع حكمًا، لأنه لا يمكنه ستر ما قدر على ستره إلا بترك الركوع والسجود، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

ولهذا ذكر السغدي من أصحابنا تفسير القعود هاهنا: أن يمد رجليه نحو القبلة ليحصل الستر فيميل إلى أيهما شاء؛ لأنه ابتلي بسترين فيختار أيهما شاء.

قوله: (إلا أن الأول أفضل)، إلى آخره، فإن قيل: هذا التعليل يقتضي أن لا تجوز الصلاة بدون الستر الذي يحصل بالقعود كما قال المزني، وأحمد.

قلنا: ترك الأركان، وترك الستر لما استويا في منع الجواز حالة القدرة استويا في اقتضاء الجواز عند الإتيان بأحدهما وترك الآخر؛ لأنه لا يمكن الإتيان بأحدهما إلا بترك الآخر، فاستويا في الميل إلى أحدهما.

وأنه لما يأت بجميع فرضية الستر لم يعتبر ذلك القدر اليسير من الستر بمقابلة ترك الركوع والسجود، ولكن قدر ذلك الستر يصلح لترجيح جانب الستر فيرجح.


(١) أخرجه البخاري (٢/٤٨، رقم ١١١٧).
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٢/ ٨٦، ١٧٥)، والمجموع للنووي (٣/ ١٨٢).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤٢٤)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٦٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>