فإن قيل: لا مساواة بين الفرضين فلا يتخير؛ لأن فرضية الستر أقوى من فرضية ترك استعمال النجاسة، وظهر ذلك بمسألتين.
أحدهما: ما ذكره التمرتاشي في جامعه: قال البقالي: لو كان على بدنه نجاسة لا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة؛ لأن إظهار العورة منهي عنه، والستر مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى.
والثانية: ما ذكره في شرح الأقطع: أن الستر آكد لأنه يجب للصلاة ولغيرها، ويلزمه دم بتركه في الطواف، ولا يوجد ذلك في النجاسة.
قلنا: إذا صلى قاعدًا بالإيماء فقد أتى ببعض الستر، وما قام مقام الأركان وترك استعمال النجاسة، ولو صلى قائمًا فيه فقد استعمل النجاسة، وأتى بالأركان فيستويان فتتخير.
وما ذكره من وكادة فرض الستر ساقط بسبب أن خطاب الستر إنما هو في الستر بالطاهر لا بالنجس، فصارت نفس خطاب الستر بالنجس ساقط على ما ذكرنا من إشارة الأسرار، فلا تثبت الوكادة، ولكن مع ذلك أظهرنا أثر صورة الوكادة في حق الأفضلية لا الجواز.
وقوله:(وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا) جواب عن قول محمد أن في الصلاة عريانا ترك الفروض.
قيل: هذا الجواب الذي قاله، وقول محمد أيضًا فيه ترك الفروض إنما يستقيمان على تقدير أن يصلي العاري قاعدًا، أما لو صلى قائما وأتى بالأركان حيث يجوز له فلا يستقيمان، إليه أشير في مبسوط شيخ الإسلام (١).
فإن قيل: لو كان الإيماء خلفًا لجاز اقتداء القائم بالمومئ، كما جاز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عندنا، وقد علل في المومئ بأنه اقتداء بالمعدوم.
قلنا: أما عند محمد فلا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، وهذا ظاهر. وأما عندهما فيجوز؛ لأن التراب خلف عن الماء لا أن الوضوء خلف عن التيمم،