يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرًا يطيق أن يسمعه عذرًا.
قوله: (أو كان الخليفة مسافرًا)؛ قيد به؛ إما للتنبيه على أنه لو كان مقيمًا كان الجواز بالطريق الأولى؛ لما أن المسافر لا جمعة عليه، وأما لنفي شبهة؛ وهي أن الخليفة إذا كان مسافرًا لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافرًا، فذكره ليعلم أن حكم الخليفة على خلاف حكم أمير الموسم؛ لكن شرط أن يكون الإمام مقيمًا أو خليفة، أو الخليفة والسلطان إذا طاق ولايته؛ يجب عليه الجمعة في كل مصر دخل؛ لأن إمامة غيره بأمره تجوز، فإمامته أولى وإن كان مسافرًا.
وفيها وجه آخر: وهو أن من فناء مكة، فإنه من الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ سماه باسم الكعبة؛ لكونه تبعًا، لما أن الهدايا والضحايا تنحر بمنى لا بمكة.
وإقامة الجمعة كما تجوز في المصر؛ تجوز في فنائه، وأما عرفات: فليس من فناء مكة، بل هي من الحلّ، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ. ذكره في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (١)، فلا تجب الجمعة فيها بإجماع الأئمة الأربعة.
وفي المحيط: من المشايخ من قال: إنما تجوز الجمعة بمنى عندهما؛ لأنها من أفنية مكة (٢)، وهو فاسد؛ إلا على قول مَنْ يُقَدِّر الفناء بفرسخين؛ [لأن بين مكة ومنى فرسخين](٣).
وقال محمد في الأصل: إذا نوى الإقامة بمكة ومنى خمسة عشر يومًا؛ لا يصير مقيمًا (٤)، فعلم بهذا أنهما موضعان، إنما الصحيح أنهما بمصر في أيام
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٣/٤٨). (٢) المحيط البرهاني لابن مازة البخاري (٢/ ٦٧). (٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية. (٤) الأصل للشيباني (١/ ٢٦٧).