قلتُ: معنى قوله نوره أي: خلقها الله سبحانه نور الأنوار من سائر الأنوار التي خلقها الله سبحانه في الجنة حتى يكون لذلك النور فضلًا على غيره، وذلك ببركات رؤيته. ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ سنة.
قلتُ: لا أستحسن الوقف عليه؛ لأن ما بعده متصل بما قبله، ومع ذلك فيها خصلة وحكمة في المعنى وذلك لما قرن الله تعالى امتياز الكفار بذكر أهل الجنة علمت أن قبلها فائدة وحكمة. وذلك ما روي في الخبر أن الله سبحانه يجمع المؤمنين والمنافقين يوم القيامة في صعيد واحد فتبرز لهم صورة، فقال المنافقون والكافرون: إنَّ هذا آلهتنا فيسجدون لتلك الصورة، وقال المؤمنون: إنَّ هذه الصورة ليست بآلهتنا فلا نسجد لها، فتبرز لهم صورة أخرى فيسجد المنافقون والكافرون ويقولون: هذه آلهتنا ولا يسجد المؤمنون، ويقولون: إنَّ هذه ليست بآلهتنا، فتبرز لهم ألف صورة فيسجد المنافقون والكافرون في كل مرة، ويقولون: إنَّ هذه آلهتنا ولا يسجد المؤمنون ويقولون: إنَّ هذه ليست بآلهتنا، فيقال للمؤمنين: تعرفون أنَّ هذه الصورة ليست بآلهتكم، قالوا: إنَّ بيننا وبين الله علامة نعرفه بتلك العلامة، قالوا وما تلك العلامة؟ قال المؤمنون: العلامة إنَّ آلهتنا ليست بصورة ولا مخلوق، فيرفع الحجاب بينهم وبين الله سبحانه فرأى المؤمنون الله ﷿ بلا كيف ولا تشبيه، فقال المؤمنون: إنَّ هذا آلهتنا، فيسجدون لله تعالى، فحينئذ وقع التميز به، والكفار وعذبوا بالنار، ونجا المؤمنون وفازوا بالنعيم يوم القيامة (٢).
وهذا المثال الذي مثلت في هذه الآية كمثال الظالم والمظلوم يوم القيامة يخاصمهما بين يدي رب العالمين، فحكم الله تعالى لأحدهما بالجنة وحكم الآخر بالنار، فيكون في حالة واحدة كما قال الله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فلهذا المعنى لم يحسن الوقف على قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ حتى يقرن بقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [٥٩] في التلاوة كوفاق تلاوتي على المشايخ.
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث: ١٨٤، ١/ ١٢٧، والدار قطني في كتاب: رؤية الله، حديث: ٥١، ص ١٦٦، وقال الإمام الألباني ﵀: «ضعيف». ينظر: الجامع الصغير ص ٣٤٩. (٢) بنحوه أخرجه مسلم صحيحه، باب: معرفة طريق الرؤية، حديث: ٣٠٢، ١/ ١٦٧، وينظر: العظمة، باب: صفة إسرافيل وما وكل به، حديث: ٣٨٦، ٣/ ٨٣٣.