أولى أيضًا من الوصل؛ لأن الكلام الذي في آخر الأنفال يشتبه بأول براءة فالوقف أولى بينهما مع أنه روي عن الزهري أنه قال:«أنهما سورة واحدة»(١).
فلو صح ذلك لكان الوقف أيضًا أولى بينهما من جهة هذا المعنى الذي ذكرت فيه، ولو اتهموا في ايصال آخر الأنفال ببراءة من جهة إسقاط التسمية من رأس براءة لكان الاتهام باطلًا؛ لأن سبب إسقاط التسمية من رأسها من جهة الخبر المروي عن ابن عباس أنه سأل عثمان بن عفان ﵁:«ما حملك على أن قرنتم بين براءة والأنفال وبراءة من المئين والأنفال من المثاني ثم لم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال لي عثمان ﵁ في القراءة والقصة والآية، كن إذا نزلن على رسول الله ﷺ قال: اجعلوها إلى جنب كذا وفي موضع كذا وإن الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر ما نزل بالمدينة ورسول الله ﷺ لم يتقدم إلينا فيها بشيء وقصتها شبيهة بقصة الأنفال فخفنا أن يكون منها، وخفنا ألا تكون منها؛ فمن ثم قرنَّا بينهما ولم نكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»(٢).
فإذا كان الأمر على هذا المعنى فالانفصال بينهما أولى من الوصل - والله أعلم بالصواب -.
[وقوفهم في سورة براءة]
[١]- ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سنة (٣).
(١) واختلف العلماء في الأنفال وبراءة على قولين: الأول: أن الأنفال وبراءة سورة واحدة، حجتهم ما ذكره المصنف مرويًا عن ابن عباس عن عثمان ﵄، لذلك عدت من المئين وتركت البسملة بينهما. الثاني: أنهما سورتان، وإنما تركت البسملة بينهما لما روي عن أن النبي ﷺ أرسل عليًّا ﵁، وأمره أن يقرأها الناس بمنى، ولم يأمره أن يقرأ فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنها نزلت بنقض عهود اليهود ومنعهم من أن يقربوا المسجد الحرام. وللاستزادة ينظر: جامع البيان للطبري ١/ ١٠٢، والانتصار للقرآن للباقلاني ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، وشرح الهداية ص ٢٠٧ - ٢٠٨، والكشاف ٢/ ٢٤٢، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٦٢، والدر المنثور ٤/ ١١٩ - ١٢٠. (٢) والخبر أخرجه الترمذي في سننه، باب: ومن سورة التوبة، حديث: ٣٠٨٦، ٥/ ٢٧٢، والحاكم في مستدركه، حديث: ٢٨٧٥، ٢/ ٢٤١، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». (٣) وهي رأس آية باتفاق علماء العدد، وكذا كل ما جاء في هذه السورة ونصَّ المصنف على أنه (وقف سنة أو آية) دون تقييد. ينظر: التبيان للعطار ص ١٦٩ - ١٧٠، والبيان للداني ص ١٦٢.