وقلنا: غض البصر مكروه حالة الاختيار، كقيام الإمام وسط الصف، فصح أنهم لا يتوصلون إلى إقامتها بدون ارتكاب أمر مكروه، وإقامة الجماعة سنة، فترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، فعلم بهذا كله أن التشبيه بالعراة ليس من كل وجه؛ بل في أفضلية الإفراد وأفضلية قيام الإمام وسطهن، وأما العراة فيصلون قعوداً وهو أفضل، والنساء قائمات مقام الإمام.
قال المطرزي: الإمام: من يُؤَمُّ به - أي: يقتدى - ذكرا كان أو أنثى (١).
فإن قيل: تعارضت هاهنا حرمتان: حرمة زيادة الكشف بالتقدم، وحرمة ترك مقام الإمام، فلم رجحت حرمة زيادة الكشف؟.
قلنا: الاحتراز عن كشف العورة قوي الفرائض والاحتراز عن ترك مقام الإمام الذي هو التقديم سنة، وتعيين الفرض أقوى من السنة، وإنما قلنا ذلك، فإن النجاسة التي في بدن المصلي لو منعت الجواز، ولا يمكن غسلها إلا بإظهار عورته؛ يصلي معها احترازا عنه. كذا ذكره في جامع التمرتاشي (٢)، فلأن يرجح على السنة أولى.
فإن قيل: لو فرضنا تقدم المرأة على جماعة النساء لابسة ثوبًا من قرنها إلى قدمها، وليس بينهن أحد من الرجال يكره، مع أنه لا كشف فيه أصلاً، فلو كانت الكراهة لزيادة الكشف ينبغي أن يجوز هناك لانعدام العلة.
قلنا: يجب أن تكون المرأة على أستر الأحوال، خصوصاً في حق الصلاة، ولا شك أن الستر أكثر في الوسط من المتقدم، وما تركت عائشة سنة التقدم حين أمت إلا لأمر أوجب عليها؛ وهو رعاية جانب الستر، فكان أصل ترك التقدم ثابتاً بالسنة لا بالتعليل.
وفي شرح الطحاوي: إمامة الرجل للمرأة جائزة إذا نوى إمامتها (٣) إذا لم
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص ٢٨). (٢) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٥٣). (٣) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٣٦٢).