للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال (وَيَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِنْ كَانَ إِمَامًا، وَيُخْفِي فِي الأُخْرَيَيْنِ هَذَا هُوَ المَأثُورُ المُتَوَارَثُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إِمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ

واجتمعت الأمة من لدن رسول الله إلى يومنا هذا على الجهر، وعلى المخافتة فيما يخافت، وكذا القياس يقتضي الجهر في الصلوات كلها؛ لأن القراءة ركن من أركان الصلاة، فيجب إظهارها كسائر الأركان، ولهذا كان النبي يجهر في الابتداء في الصلوات كلها، إلا أن الكفار لما [كانوا] (١) يلغونه في القراءة ويغلطونه في الظهر والعصر؛ ترك الجهر فيهما بهذا العذر، ثم تثبت هذه السُّنَّة وإن زال بهذا العذر بكثرة المسلمين، أما في المغرب والعشاء والفجر فالكفار متفرقون وأكثرهم ينامون فجهر النبي بالقراءة فيها على ما عليه الأصل.

وقيل: في الظهر والعصر في الأغلب تكون قلوبهم مشغولة بالكسب، فيحتمل الاستماع، فيأثمون لعدم حصول فائدته وهو التفكر والتأمل، بخلاف المغرب والعشاء والفجر، أما الجمعة والعيد تؤدى في الأحايين مرة على هيئة مخصوصة من الجمع الكثير، فيكون ذلك باعثا على التأمل والاعتبار، فلا يختل للاستماع.

وإنما ذكر قوله (وأسمع نفسه)؛ لمعنيين:

أحدهما: أنه جواب سؤال مقدر؛ وهو أنه لما قال: (إن شاء جهر) فيورد عليه أن يقال: يجب أن لا يجهر؛ لعدم فائدة الجهر، فإنه للاستماع، وليس معه أحد يسمعه، فقال في جوابه: فائدة الجهر حاصله هاهنا أيضاً بقدره؛ وهو أن يسمع نفسه فيجهر لذلك.

والثاني: ما ذكره فخر الإسلام في مبسوطه: لا يجهر كل الجهر؛ لأنه ليس معه أحد يسمعه، بل يأتي بأدنى الجهر، فكان معناه على هذا: إن شاء جهر وأسمع نفسه ولا يسمع غيره؛ لما أن التخصيص في الرواية يدل على نفي ما


(١) ليست في النسخ والسياق يقتضيها.

<<  <  ج: ص:  >  >>