فيستحيل الإقبال عليه (١)، فابتلانا بالتوجه إلى الكعبة لا أن العبادة لها، حتى لو سجد لها يكفر، فلما عزاه الخوف تحقق العذر، فأشبه حال الاشتباه في تحقق العذر فيتوجه إلى أي جهة قَدَرَ؛ لأن الكعبة لم تعتبر لعينها، بل للابتلاء فيتحقق المقصود بالتوجه إلى أي جهة قدر.
وقيد بقوله:(وليس بحضرته من يسأله)، فإنه لو أخبره أحد من أهل ذلك الموضع لا يجوز العمل بالاجتهاد، كذا في المحيط (٢).
وفي فتاوى الظهيرية: المراد بمن يسأله من هو من أهل ذلك الموضع وهو يعلم جهة القبلة؛ لأنه أعرف بقبلتهم عادةً من غيرهم، حتى لو يكن من أهل ذلك الموضع، ولم يكن عالمًا بالجهة فهو والمتحري سواء، كذا في التجنيس للمصنف (٣).
وفي قوله:(ليس بحضرته) إشارة إلى أنه ليس عليه أن يطلب من يسأله. وقوله (اجتهد) يشير إلى أنه لو صلّى بلا تحرّ فأصاب لم تجز صلاته لصيرورة جهة التحري قبل حالة الاشتباه، وعن أبي حنيفة ﵁: لو صلى في هذه الحالة بدون تحرّ يخشى عليه الكفر وإن أصاب؛ لأن الصحابة تحروا (٤).
في السهيلي: روى عامر بن ربيعة -، وفي شرح الإرشاد: عبد الله بن عمر مكان عامر بن ربيعة - قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فلم يعرف
(١) إذا قصد بالجهة التحيز فهذا مما اتفق عليه العلماء، وإن أراد به الجهة أي جهة كانت فهذا خلاف ما جاءت به النصوص، ومذهب أهل السنة. ولعل المصنف يريد قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. (٢) المحيط البرهاني لابن مازة (٥/ ٤٢١) وفيه: وفي "مجموع النوازل ": إذا اشتبهت عليه القبلة في مفازة فتحرى ووقع تحريه على جهة، فأخبره عدلان أن القبلة إلى جهة أخرى، فإن كانا مسافرين لا يلتفت إلى قولهما؛ لأنهما يقولان عن اجتهاد، ولا يجوز للمجتهد ترك اجتهاده باجتهاد غيره، أما إذا كانا من أهل ذلك الموضع لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولهما؛ لأن خبرهما فوق اجتهاده. (٣) التجنيس والمزيد (١/ ٤٢٠). (٤) انظر: المبسوط للسرخسي (١٠/ ١٩٤)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٦٦).