للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الوُسْعِ.

ومعنى التحقيق: أنه لو فرض خط من تلقاء وجهه على زاوية قائمة إلى الأفق يكون مارًا على الكعبة أو هواها، ومعنى التقريب: أن يكون ذلك منحرفا عنها، أو لهواها انحرافا لا تزول به المقابلة بالكلية، بأن بقي شيء من سطح الوجه مسامتا لها، أو لهواها.

وبيانه: أن مقابلة الشيء بالشيء إذا وقعت في مسافة قريبة تزول بانتقال قليل من اليمين أو الشمال - مناسب لتلك المسافة، وإذا وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بمثل ذلك الانتقال، بل بانتقال مناسب لذلك البعد.

فإن إنسانا لو قابل إنسانًا في مسافة ذراع مثلا تزول تلك المقابلة بانتقال أحدهما يمينا بمقدار ذراع أو نحوها، وإذا وقعت المقابلة بينهما في مقدار ميل، أو فرسخ لا تزول تلك المقابلة إلا بمقدار مائة ذراع أو نحوها، بل يحتاج في زوال المقابلة إلى مسافة بعيدة مناسبة لذلك البعد على ما عرف تحقيقه في موضعه.

ثم إن مكة لما بعدت عن ديارنا بعدًا مفرطًا تتحقق المقابلة إليها في مواضع كثيرة، في مسافة بعيدة؛ فإنا لو فرضنا خطا من تلقاء وجه من استقبل القبلة على التحقيق في هذه البلاد، ثم فرضنا خطا آخر يقطع ذلك الخط على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة، فلذلك وضع العلماء القبلة في بلدة، أو بلدتين، وبلاد قريبة على سمت واحد بأن جعلوا القبلة ببخاري، وسمرقند، ونسف، وكش، وترمذ، وبلخ، ومرو، وسرخس موضع غروب الشمس إذا كانت في آخر الميزان وأول العقرب كما اقتضته الدلائل الموضوعة لمعرفة القبلة لبقاء المقابلة، وتحقق التوجه في هذا القدر ونحوه من المسافة، ولم يخرجوا لكل مسجد على حدة سمت الكعبة على التحقيق؛ لأن ذلك خارج عن الوسع.

وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن قول أبي عبد الله الجرجاني حيث

<<  <  ج: ص:  >  >>