قوله:(وأبو يوسف وإن أنكر) إلى آخره: قال أبو يوسف أولا مثل ما قالا، ثم رجع، وقال: كانت صلاة الخوف في حياة النبي ﵊، ولم يبق مشروعًا بعده، وبه قال الحسن بن زيادة (٢)، والمزني (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فقد شرط كونه ﵊ فيهم لإقامتها، ولأن الناس كانوا يرغبون في الصلاة خلفه ما لا يرغبون خلف غيره، فشرعت بصفة الذهاب والمجيء على خلاف القياس؛ لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وقد ارتفع هذا المعنى بعده، فلا يجوز أداؤها بصفة الذهاب والمجيء.
وحجتنا في ذلك: أن الصحابة أقاموها بعد النبي ﵊، فإنه روي أن سعد بن أبي العاص [حارب المجوس بطبرستان، ومعه الحسن بن علي، وحذيفة، وعبد الله بن عمرو بن العاص صلى بهم صلاة الخوف، ولم ينكر عليه أحد، وروي عن سعيد بن أبي وقاص](٤)، وأبي عبيدة بن الجراح، وأن سعيد بن العاص سأل عنها أبا سعيد الخدري فعلمه، فأقامها بأصبهان ولم ينكر عليه أحد، فحلّ محل الإجماع، وسنة الخوف تتحقق بعده ﵊ كما في حياته، ولم يكن ذلك لنيل فضيلة الصلاة خلفه؛ لأن ترك المشي وترك الاستدبار فريضة، والصلاة خلفه فضيلة، فلا يجوز ترك الفريضة لإحراز الفضيلة، ثم الآن يحتاجون إلى فضيلة تكثير الجماعة، فإنها كلما كانت أكثر كانت أفضل.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] معناه: أنت أو من يقوم مقامك في الإمامة، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]،
(١) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٤٩٩). (٢) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٤٢)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٩٨). (٣) انظر: الحاوي للماوردي (٢/ ٤٥٩)، والبيان للعمراني (٢/ ٥٠٠). (٤) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية.