والطريق الثاني: القطع بالقول الأول؛ إذ هو الأحوط؛ لأن الإتيان بما ليس عليه أولى من ترك ما عليه، فيكون الأخذ بالأكثر احتياطا؛ لأن هذا باب لا يعرف بالرأي، والزيادة في الأخبار من الثقات مقبولة، ولأن هذه التكبيرات منسوبة إلى أيام التشريق، واتفقنا أنه يكبر في غير أيام التشريق وهو يوم عرفة والنحر، فلأن يكبر في أيام التشريق أولى، ولأنه تعالى قال: ﴿في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وفي موضع آخر: ﴿في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾؛ إن المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق.
وقيل: المعلومات أيام النحر، والمعدودات أيام التشريق، وهكذا روي عن أبي يوسف أنه قال: اليوم الأول من المعلومات، واليومان الأوسطان منهما، فلما أمر الله تعالى بالذكر في هذه الأيام، ولم يوجد ذكر سوى التكبيرات؛ فيجب. كذا في جامع الإسبيجابي (١).
وفيه، وفي التحرير، والخلاصة، والمجتبى، وفتاوى العتابي: والفتوى على قولهما، وعمل الأمصار في غالب الأعصار؛ لأن الجهر بالتكبير بدعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] أي: الجاهرين بالدعاء، [والذكر دعاء (٢)، وفيه نوع تأمل.
ولقوله ﷺ لقوم يرفعون أصواتهم عند الدعاء: «إنكم لا تدعون أصما] (٣) ولا غائبا» (٤)، فكان الأصل في الذكر الإخفاء، إلا أن الشرع ورد بالجهر في هذه الأيام تشبها بالحاج في رفعهم الأصوات بالتلبية؛ ألا ترى أنه يرفع ويبدأ يوم عرفة؛ لأنه يبدأ في ذلك ركن الحج وهو الوقوف، فوجب أن يختم في اليوم الذي يختم فيه ركن آخر وهو الطواف، وكذا يقطع التلبية يوم النحر كما رمى
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (١٢/٣٠)، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح (ص ٥٤١). (٢) انظر: المجتبى لنجم الدين الزاهدي (ص ٤٨٧). (٣) ما بين المعقوفتين: زيادة من النسخة الثانية. (٤) تقدم تخريجه قريبا.