للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المدينة وعجنت ذلك الطين وعملت منه طينًا مختومًا على العادة، فلما نظرت إلى ذلك، رأيت أن أسأل هل كان فيما مضى من الدهور أحد خلط في هذا الطين دم التيوس أو المعز، فلما سألت ضحك مني جميع من سمع سؤالي ذلك، وأنكروه إنكارًا عظيمًا، ثم أحضر لي رجل من أهل تلك الجزيرة كتابًا وضعه رجل كان في بلدهم من قديم الدهور، يذكر فيه استعمال هذا الطين المذكور ومنافعه، فدعاني ذلك إلى الاجتهاد في تجربة هذا الدواء وترك التكاسل عنه، وأخذت منه عشرين ألف قرص مختوم، وكان ذلك الرجل يداوي به الجراحات فيدملها والقروح العتيقة العسرة الاندمال، ويداوي به نهش الأفاعي وغيرها من الهوام، وكان يسقي من يخاف عليه أن يسقى شيئًا من الأدوية القتالة، ويسقي منه بعد شرب السم فينفعه، وكان يزعم أن الدواء المتخذ بحب الغار هو الذي يقع فيه الطين المختوم مقدارًا ليس باليسير قد امتحنه فوجدته يهيج القيء إذا شربه الإنسان والسم الذي يتناوله في معدنه بعد، ثم جربتُ أنا أيضًا ذلك فيمن شَرِبَ أرنبًا بحريًا وفيمن شَرِبَ الذراريح بالحدس مني عليه أنهم قد شربوه فتقيأوا من ساعتهم السم كله ومن يعد شربهم الطين المختوم، وقد يعرض لهم شيئًا من الأعراض اللاحقة لمن تناول أرنبًا بحريًا أو ذراريح، ولما تقيأوا تبين في القيء ما كان قد شربوه من الأدوية القتالة، ولم يكن أنا عندي علم من الدواء المتخذ بحب الغار في الطين المختوم هل معه دفع الأدوية القتالة، وقد ضمن ذلك الرجل المذكور عن تجربة له، وزعم أيضًا أنه سقى منه من قد عضه الكلب بشراب ممزوج، وكان يزعم أنه يطلى على القرحة الحادثة عن العضة من هذا الطين إذا أديف بالخل الثقيف، وكذلك زعم أنه إذا أديف بالخل يشفي نهش الهوام بعد أن يوضع من فوقه أو يطلى به ورق بعض العقاقير التي قوتها تضاد العفونة، وخاصية ورق سقرديون، وورق القنطوريون الدقيق، وورق الذاسيون وأما الجراحات الخبيثة المتعفنة، فأنا لما استعملنا في مداواتها بهذا الطين المختوم، نفعها نفعًا بينًا، وينبغي أن يكون استعماله بحسب رداءة الجراحة وخبثها؛ لأن الجراحة المنتنة المترهلة الوسخة جدًا يحتمل أن يطلى عليها الطين المختوم ومدافًا بخل ثقيف ثخنه مثل ثخن الطين المبلول على مثال ما تداف الأقرصة المسماة بولويداس، وأقرصة قاسيون، وأقرصة أندرون وغيرها، فإنها لما كانت تجفف تجفيفًا شديدًا صارت تَنْفَعُ الجراحات الخبيثة لذلك بعد أن تداف إما بشراب حلو، أو بعقيد العنب، أو بالشراب المعسل أو بالأبيض، أو بالأحمر على حسب ما تدعو الحاجة

<<  <  ج: ص:  >  >>