للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[النوع الثالث: في الأجسام الدهنية]

زعموا (١) أنّ الرطوبات المحتقنة تحت الأرض تسخن في الشتاء وتبرد في الصيف بسبب أن الحرارة والبرودة ضدان فلا يجتمعان في مكان واحد؛ فإذا جاء الشتاء وبرد الجو، فرّت الحرارة وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال، فاكتسبت الرطوبات المنصبة إلى تلك المواضع بواسطة الحرارة دهنية، فإذا أصابها نسيم الهواء أو برودة الجو، فربما انعقدت وربما بقيت على ميعانها، فتصير كبريتًا أو زئبقًا أو قيرًا أو نفطًا أو ما شاكل ذلك بحسب اختلاف البقاع، وتغيرات الأهوية، وزعموا أنّ أوّل هذه القوى - أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في تكوين المعادن

[٢٠٧ - الزئبق]

وذلك أن الرطوبة المخفية التي في باطن الأجسام الأرضية والبخارات المحتبسة فيها إذا تعاقب عليها حر الصيف وحرارة المعدن، لطفت وخفت وتصاعدت إلى سقوف الأهوية والمغارات وتعلقت هناك زمانًا فإذا تعاقب عليها برد الشتاء، غلظت وجمدت وتقاطرت إلى أسفل تلك المغارات والأهوية، واختلطت بتربة تلك البقاع، ومكثت زمانًا هناك، وحرارة المعدن تعمل دائمًا في إنضاجها وطبخها وتصفيتها، فتصير تلك الرطوبة الماسة بما يختلط بها من الأجزاء الترابية وما يكتسب من ثقلها وغلظها بطول الوقوف وإنضاج الحرارة لها كبريتًا محرقًا فإذا اختلط الزئبق والكبريت مرة ثانية وتمازجا والتدبير بها يتركب من مزجهما الجواهر المعدنية، وأنواعها كما ذكرناه من قبل ولا نعيد.

أما الزئبق (٢)، فإنه يتولد (٣) من أجزاء مائية اختلطت بأجزاء أرضية لطيفة كبريتية اختلاطًا شديدًا حيث لا يتميز أحدهما من الآخر وعليه غشاء ترابية، فإذا اتصلت إحدى القطعتين بالأخرى، انفتح الغشاء وصارت القطعتان واحدة والغشاء محيط بها كقطرة الماء إذا وقعت على التراب؛ فإنها تبقى مدوّرة وتحيط بها الأجزاء الترابية وربما أصاب


(١) العجائب ٢٠٣.
(٢) العجائب ٢٠٣.
(٣) عن الزئبق، انظر:
الصيدنة ٣٢٥، الأبنية ١٧٥، المعتمد ٢١٢ - ٢١٣، نوادر التبادر ١٣١، عجائب المخلوقات ٢٠٣، الجماهر في الجواهر ٣٧٩ - ٣٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>