للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تشبه الآدمي من الوجوه المتعددة المتقدّمة بانَ أنَّ النخلة نبات حيواني، وأما الحيوان، فأوله يشبه النبات؛ لأنَّ أدنى الحيوان ما ليسَتْ له إلا حاسة واحدة من الحواس الخمس وهي اللمس هو الحيوان المسمى بالحلزون - وهو دودة في جوف أنبوبة حجرية توجد في السواحل - وتلك الدودة تخرج نصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة وتنشط يمنة ويسرة تطلب مادة تتغذى بها فإذا أحست برطوبة أو لين انبسطت، وإن أحستْ بصلابة، انقبضت ودخلت في جوف الأنبوبة حذرًا من مؤذ لجسمها، وليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم إلا اللمس فقط، وهذا حال أكثر الديدان المتولد من الطين، فهذا النوع حيوان نباتي؛ لأنَّهُ يَنْبِتُ جسمُهُ كما ينبت النبات، وأما مرتبة الحيوان الذي يلي الإنسان فالقرد؛ لأن شكل جسده قريب من جسد الإنسان، ونفسه تحاكي أفعال النفوس الإنسانية، وكذلك الفرس الجواد فإن الخيل الأصايل لها ذكاء وحسن أدب وكرم أخلاق فربما لا تُروّث ما دام الملك راكبًا عليها، ولها إقدام في الهيجاء، وصبر على الطعن، وكذلك الفيل فإنّه يفهم الخطاب، ويمتثل الأمر والنهي على ما سبق من وصفه كالإنسان العاقل، وأما مرتبة الإنسانية التي تلي الحيوان، فإن أدنى مرتبة الإنسان رتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات ولا يرغبون إلا في زينة الدنيا ولذاتها من الأكل والشرب والنكاح. قال تعالى في تشبيههم بالحيوان: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١) فهم يرتعون في الدنيا كالخنازير والحمر ويدخرون ما يحتاجون إليه كالنمل، ويتهارشون على حطام الدنيا كالكلاب على الجيف، فهؤلاء وإن كانت صورهم الإنسان فإنّ أفعال نفوسهم أفعال حيوانية، وأما مرتبة الإنسان التي تلي الملائكة فهي مرتبة الذين انتبهت نفوسهم من الغفلة وانفتحت منهم أعين البصيرة حتى نظرت بأنوار قلوبها ما غاب عن حواسها وشاهدت بصفاء جواهرها عالم الأرواح الملائكة وتبين لها سرورهم ونعيمهم، فرغبت في ذلك وزهدت في نعيم الدنيا، وأقبلت على تحصيل الآخرة، فهم من أصناف الملائكة مع خلطتهم لأبناء جنسهم من الآدميين؛ فإذا علمت هذه المقدمة وفهمتها، علمت أن ذلك بتقدير حكيم عليم رتبها ترتيبًا حكيمًا، وأبرزها إبرازًا علميًا: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢).

[[أقسام المعدنيات]]

أما أقسام المعدنيات:

فهي كما ذكرنا، أجسام مُتولّدة من الأبخرة والأدخنة المحتبسة في


(١) سورة الفرقان: الآية ٤٤.
(٢) سورة الأنعام: الآية ٩٦، يس: ٣٨، فصلت: ١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>