وأما العنبر فقد ذكرناه أيضًا (١) وذكرنا الخلاف فيه، وقد زعم بعض التجار: أن بحر الزنج قذف في بعض السنين قطعة عظيمة شبيه تل أو أكثر ما يرى قدر الجمجمة أكبرها زنة ألف مثقال، وكثيرًا ما يبتلعه الحيتان فيموتون وتلك الدابة تدعى العنبر، وقد ورد ذكر هذا الحوت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وهو معروف.
[خاتمة تتعلق بما تقدم]
اعلم أن الأرض جسم بسيط قام البرهان على أن طبعها بارد يابس، وهي كما زعموا متحركة إلى الوسط، وزعموا أن شكل الأرض قريب من الكرة والقدر الخارج محدب؛ لأنهم اعتبروا خسوفًا واحدًا فوجدوا في البلاد الشرقية والغربية في أوقات مختلفة فلو كان طلوعه وغروبه دفعة واحدة لما اختلف بالنسبة إلى البلاد، وإنما خلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك، إذ لولاها لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها وحدوث المعادن والنبات في بطنها، وزعموا أنها ثلاث طبقات طبقة قريبة من المركز - وهي الأرض الصرفة - وهي أرض طينية وأرض انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر، وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى، والهواء والماء يحيطان بها من جميع الجهات، والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر، ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر لكل تسعة عشر فرسخًا درجة، ثم البحر المحيط أحاط بأكثر وجه الأرض والمكشوف منها قليل ناتئ عن الماء على هيأة بيضة غاطسة في الماء يخرج من الماء محدبها وليست منظمة ملساء ولا مستديرة بل كثيرة الارتفاع والانخفاض، أما باطنها فكثير الأودية والأهوية والكهوف والمغارات، ولها منافذ وخلجان كلها ممتلئة مياهًا وبخارات ورطوبات دهنية، ينعقد منها الجواهر المعدنية، وتلك الأبخرة والرطوبات دائمًا في الاستحالة والتغيير والكون والفساد، أما ظاهرة فإنها كثيرة الجبال والأودية والجداول والبطائح والآجام والدحال والغدران، وفيها منافذ وخلجان تجري بعضها إلى بعض في دائم الأوقات والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع عنها في شتى من الأوقات ولكن في أماكن مختلفة البقاع شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا مثل الليل والنهار والصيف والشتاء وفي بلدان شتى والمعادن والنبات والحيوان قائمة في الكون والفساد فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان باختلاف