قال التميمي في المرشد (٢): فأما قفر اليهود فقد يختص أحد النوعين من القفر المستخرجين من بحيرة يهودا، وهي البحيرة المنتنة التي في عمل فلسطين بالقرب من بيت المقدس التي هي فيما بين الغورين غور زغر وغور أريحا، وهو القفر المحتفر عليه المستخرج من برية ساحل هذه البحيرة وهو أفضل نوعي القفر اليهودي، وهذا الصنف هو الذي يدخل في أخلاط الترياق الأكبر المسمى بالفاروق، والمعول عليه، وذلك لأن القفر اليهودي المسمى بتلك الناحية الحمر لأجل أنهم يحمرون به كرومهم ومعنى التحمير أن يحك إحد نوعي هذا القفر المستخرج من هذه البحيرة بالزيت، فإذا زبروا كرومهم - أي قنبوها - عند نفس الكرم وبزرت عيونه، اخذوا هذا القفر المحلول بالزيت، ثم جاؤوا إلى كل عين من عيون الكرم فيغمسوا في ذلك القفر المحلول عموديًا في غلظ الخنصر، ثم حكوا به تلك العين أو تحتها بالقرب منها فجعله دائرة على ساق الغصن والقضيب أو ساق الكرم ليمنع الدود من الترقي إلى عيون الكرم وأكلها، فإذا فعلوا ذلك، سلمت لهم كرومهم من فساد الدود، وإن هم غفلوا ذلك صعد الدود إلى عيون الكرم فرعاها وأفسد الثمر والورق جميعًا، فمن القفر اليهودي هذا الصنف المحتفر عليه المسمى بالشام أقراطيون، ومنه صنف ترمي به البحيرة في الأيام الشاتية إلى ساحلها، وهو في منظره أحسن لونًا من أقرطايون، وأشدّ بصيصًا وبريقًا، وأشد رائحة كرائحة النفط الشديد الرائحة، ينبع من قرار هذه البحيرة، يخرج من عيون الصخور التي في قرارها كما ينبع العنبر في قرار البحر ويركب بعضه بعضًا، فإذا كان في أيام الشتاء واشتدت الرياح وكثرت الأمواج وكبر البحر واشتدت حركته انقلع ذلك القفر الجامد اللاصق بالصخور فيطفو فوق وجه الماء، فترمي به الريح إلى ساحل البحيرة. وليس للقفر اليهودي في جميع بلدان الأرض معدن غير هذه البحيرة، وأما الصنف المسمى أقراطيون وهو القفر اليهودي بالحقيقة، فإنه يحتفر عليه في ساحل البحيرة المنتنة بالقرب من الماء ومن تكسر أمواجها نحوًا من ذراع - أو ذراعين - من الأرض فيجدونه مجتمعًا في بطن الأرض، متولّدًا في نفس البرية قطعًا مختلطًا بالملح والحصى والتربة، فيجمعون معه شيئًا كثيرًا ويصفونه بما فيه من الحصى والتراب بالنار والماء الحار كمثل ما يصفى الشمع والزفت، ثم يستخرجونه بعد التصفية فيأتي لونه مطفيًا كمدًا ليس له شديد