للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِمَا ذَكَرنَا، أَنَّ المَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْأَمْرُ وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ

وطلب لا تعلق له باختيار العبد، وهو المسمى بالمشيئة والإرادة، والوجود من لوازمها؛ إذ لو لم يكن يلزم العجز وهو منزه عنه بخلاف العباد.

قال شيخي العلامة: هذا ما أشير إليه في عامة الكتب في بيان هذه المسألة، ولكنه مشكل؛ لأن ما ذكروه يشير إلى [أن] (١) الإيجاد [هو المعنى الأصلي للمشيئة وليس كذلك؛ فإن المشيئة مفسرة في أكثر كتب اللغة بالإرادة لا بالإيجاد] (٢)، ومستعمله في القرآن والحديث وفي تراكيب كلام الناس: بمعنى الإرادة دون الإيجاد، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ﴿وَيُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾، وقال : «إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد» (٣) ومثله كثير، فكان بناء إثباتها عن الوجود مأخوذة من الشيء بمعنى: الموجود غير قوي، ولو كان أصل معناها الإيجاد؛ ينبغي ألا يتوقف على النية.

وما ذكروه من العذر ليس بصحيح؛ لأن قوله: "شئت" مضافًا إلى نفس الطلاق؛ فكانت حقيقة إيجاد نفس الطلاق على تقدير معناه أن يكون: " أوجدت " وإيجاد مالكية الطلاق مجازة، ومثل هذا الاحتمال لا يمنع ثبوت موجب الكلام ولا يوجب توقفه على النية؛ بل يوجب ثبوت هذا المحتمل والمجاز على النية، فعرف أن معناها الأصلي هو الإرادة لا الإيجاد.

ولكن يحتمل جواز استعماله في الإيجاد باعتبار أن لفظ الشيء مشترك بين المصدر بمعنى الإرادة وبين الموجود، يقال: شاء شياءً ومشيئة؛ أي: أراد إرادة، وكل شيء يحدث بخلق الله تعالى، وقد ثبت من طريق العرف أنهم يصوغون من لفظ "هو" حرف أو اسم أو جملة مصدر، أو يصرفونه صرف المصادر الأصلية كالتسويف والحوقلة والبسملة والحيعلة؛ فإنهم صاغوها من:


(١) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية.
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٢٥٤، برقم ٩٧٠)، وابن حبان (٥/ ٢٩١، برقم ١٩٦١).

<<  <  ج: ص:  >  >>