للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وبدون ذكر المشيئة لا يصير لازمًا، والتوكيل وإن كان قابلًا للتعليق؛ لكنه اعتبر بأصل البيع حتى لا يحتمل التعليق. كذا ذكره قاضي خان (١).

فإن قيل: الوكيل يتصرف عن مشيئة واختيار.

قلنا: نشأ ذلك الاختيار من عدم نفاذ الأمر عليه؛ لعدم الولاية لا من الصيغة؛ لأن الصيغة ملزمة إذا صدرت من ذي ولاية، فمتى قال لأجنبي: إن شئت، فالمشيئة جاءت من الصيغة صريحًا وأثبتت خاصية المالكية، فكان هذا الكلام تمليكا لا التزامًا؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠] لم يكن التزامًا بل تمليكا.

وتشريحه أن المشيئة نوعان: نوع يذكر ويراد الاختيار في الفعل بمعنى نفي الغلبة ودفع الاضطرار، والوكيل موصوف بهذه المشيئة.

ونوع يراد به إيثار الفعل أو الترك لمصلحة، وأنه معنى كما في قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠] والإيثار يبنى على استحسان الفعل لمصلحة، وأنه معنى آخر وراء المشيئة بمعنى نفي الغلبة ودفع الاضطرار، والوكيل غير موصوف بهذه المشيئة، والموكل المالك هو الذي يؤثر الفعل أو الترك، فإذا فرض الأمر إلى الوكيل وقطع تدبيره ورأيه، وتركه لمصلحة ما، فكان قوله: طلقها "إن شئتغ" تمليكا لا توكيلًا.

فيعلم من هذا: أن التصريح بالمشيئة ليس كعدمه فإن ذكر المشيئة صار تمليكا بعد أن كان توكيلًا، وتحمل المشيئة على المعنى الثاني لا على نفي الاضطرار؛ صيانة لتصرف العاقل عن الإلغاء؛ إذ لو حملت على نفي الاضطرار لم تُفد إلا ما أفاد السكوت، وفيه إلغاء تصرف العاقل.

وفي المبسوط: لو قال لغيره: "طلقها" فهو رسول؛ معناه: أن الرسول والوكيل في الطلاق سواء؛ لأنه سفير ومعبر، والرسالة لا تختص بالمجلس، بخلاف ما لو قال له: طلقها إن شئتَ؛ حيث يقتصر على المجلس؛ لأن تأخر


(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٥/ ٣٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>