للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بين الجوهر الجسم الذي يلقاه فيما هو منه رطب حتى لا تدع فيه شيئًا بتة منه، ويجمع باقي جوهره الصلب يقبضه لذلك صار الملح يجفف الأجسام التي تعفن وإنما تعفن من قبل رطوبة، فيها فضل وجوهرها جوهر منحل غير كبير، وبهذا السبب صارت الأجسام التي فيها رطوبة فضل بمنزلة العسل الفائق والأجسام التي جرمها كبير بمنزلة الحجارة ليس يمكن أن تعفن والملح بهذا السبب ليس يمكن أن يستعمل في هذه الأجسام لكن في الأجسام التي يخاف عليها أن تعفن، فأما المحرق من الملح فله من التحليل أكثر ما للملح الذي لم يحرق وجرمه أيضًا يصير ألطف بسبب القوة التي اكتسبها من النار كما يعرض لسائر ما يحرق من جميع الأشياء على ما بينا، ولكنه ليس يمكن فيه أن يجمع ويكثر جوهر الجسم الصلب الذي يلقاه كما يفعل الملح الذي لم يُحرق.

وقال في موضع آخر قبله (١): وأما الملح المتولد في البحيرة المنتنة المعروفة ببحيرة الزفت وهي بحيرة مالحة في عود بلاد الشام، ويسمى ملح سدوم باسم الجبال المحيطة بالبحيرة وهي بلاد سدوم، فقوته قوة تجفف تجفيفًا أكثر من سائر أنواع الملح، وهي مع ذلك ملطفة، وذلك أن هذا الملح قد ناله من إحراق الشمس أكثر مما نال غيره من أنواع الملح وليس هو مرّ الطعم فقط لكنّه مرّ المذاق؛ وذلك لأن موضع هذه البحيره غائر تحرق وهو لهذا السبب في الصيف أشد مرارة منه في الشتاء، فإن أبقيت في ماء هذه البحيرة ملحًا لم يذب؛ لأن الذي قد خالط ذلك الماء من الملح مقدار كثير، وإن انغمس فيه إنسان تولّد على بدنه عند خروجه منه غبار رقيق من غبار الملح كالسورج وكذلك صار ماء هذه البحيرة أثقل من كل ماء في مياه البحار ومقدار ثقله على مياه البحار كمقدار ثقل ماء البحر على مياه الأنهار ومن أجل ذلك إن أنت وقعت في ماء هذه البحيرة ثم رمت أن تغوص فيه إلى أسفل، لم تقدر! وإن أنت أخذت حيوانًا فربطت يديه ورجليه وألقيته في ماء تلك البحيرة، لم يغرق ولم يرسب لكثرة ما يخالط ماء هذه البحيرة من جوهر الملح الذي هو أرضي ثقيل.

وقال ديسقوريدوس (٢): وقوة الملح قابضة تجلو، وتنقي، وتحلل، وتقلع اللحم الزائد في القروح، وتكوى، وقد يمنع القروح الخبيثة من الانتشار، وقد يقع في أخلاط


(١) الجامع ٤/ ١٦٤.
(٢) الجامع ٤/ ١٦٤ - ١٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>