للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حِدَادَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ وَجَبَ إظهَارُ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوتِ زَوجِ وَفَّى بعَهْدِها إِلَى مَمَاتِهِ، وَقَدْ أَوحَشَهَا بِالإِبَانَةِ فَلَا تَأسَف بِفَوتِهِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى المُعتَدَّةَ أَنْ تَحْتَضِبَ بِالحِنَّاءِ». وَقَالَ: «الحِنَّاءُ طِيبُ» وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إظهارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَونِهَا وَكِفَايَةِ مُؤَنِهَا، وَالإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ المَوتِ، حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيْتًا قَبلَ الإِبَانَةِ لَا بَعدَهَا (وَالحِدَادُ) وَيُقَالُ: الإِحدَادُ، وَهُمَا لُغَتَانِ (أَنْ تَترُكَ الطَّيبَ وَالزِّينَةَ وَالكُحِلَ وَالدُّهَنَ

الصياح. هكذا روى عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعًا إلى النبي .

وقال الشافعي: لا حداد على المبتوتة بالثلاث والخلع، وبه قال مالك وأحمد في رواية.

وفي المنهاج: يستحب. وفي قول: يجب. وقال في القديم وأحمد في رواية: يجب، كقولنا.

قوله: (ولنا: ما رُوِيَ أَنَّ النبي ) روت أم سلمة «أنه (نهى المعتدَّةَ أن تختضب بالحنَّاءِ، والحِنَّاءَ طِيبٌ)» (١). ذكره في المبسوط (٢) وغيره. ورواه النسائي من غير فصل. ولأنها معتدة عن نكاح صحيح، فكانت كالمتوفى عنها زوجها، والحداد إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح، وذلك موجود في المبتوتة كما في المتوفى عنها زوجها. كذا في المبسوط (٣).

فإن قيل: المبتوتة تتناول المختلعة، فكيف تتأسف المختلعة وقد أفدت نفسها بالمال لطلب الخلاص منه، وكذا المبانة كيف تتأسف وقد جفاها بالإبانة وآثر عليها غيرها، بل تظهر السرور بالتخلص عن مثل هذا الزوج كما قال الخصم.

قلنا: وجوب الحداد دائر بفوت النكاح الصحيح بالسنة، لا لاعتبار وفاء الزوج وجفائه، ألا [ترى] (٤) أن الزوج إن وفى لها إلى الموت لا يربوا درجة على الأبوين، ولم يشرع الحداد بموتهما بالإجماع، فعلم أن الحداد دائر بفوت


(١) سبق تخريجه.
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٦/ ٥٨).
(٣) المبسوط للسَّرَخْسِي (٦/ ٥٨).
(٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>