للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَلبَتَّةَ، أَمَّا إِذَا نَوَى الوَقتَ يَقَعُ فِي الحَالِ وَلَو نَوَى الشَّرطَ يَقَعُ فِي آخِرِ العُمُرِ، لِأَنَّ اللَّفظَ يَحتَمِلُهُمَا.

ومع هذا لا تترجح الحرمة وإن كان مبنى الصلاة على الاحتياط؛ لأن الشك لا يثبت شيئًا فلا يكون من قبيل تعارض الحرمة مع دليل الحلّ، كذا قيل (١).

(وهذا الخلاف)؛ أي: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه.

(لأن اللفظ يحتملهما) على السواء، فإذا احتملهما على السواء؛ يقع ما نوى بالإجماع.

فإن قيل: إنّ " إذا " تستعمل للشرط مجازا عند أبي حنيفة وكذا عندهما؛ فينبغي أن لا يصدقه القاضي فيما لو نوى به معنى "أن" فيه؛ تخفيفًا على نفسه.

قيل في جوابه: لما كثر استعماله في معنى الشرط فصار كالظاهر في حقه، فجاز أن يصدقه القاضي، مع أنه قيل حقيقة فيهما عنده، وفيه نوع تأمل.

فإن قيل: يقتضي الاختلاف في مسألة الشرب من دجلة أن يكون الاختلاف هاهنا على عكس هذا؛ لأنه اعتبر المجاز هاهنا. وثمة اعتبر الحقيقة، وهما عكسا فيهما فلابد من الفرق لهما.

قيل: الفرق لهما: أن المجاز ثمة غالب الاستعمال عرفا؛ فترجحت جهته على جهة الحقيقة، أما هاهنا المجاز ليس بغالب الاستعمال.

والفرق لأبي حنيفة: أن ثمة التيقن في ثبوت موجب اعتبار الحقيقة، وفي الشك اعتبار المجاز ثابتًا؛ لأن اعتبار الحقيقة يقتضي الحنث بالشرب من دجلة كرعا لا غير.

واعتبار المجاز يقتضي الحنث من مائها كرعًا منها، وبالشرب من مائها اغترافًا منها، والحنث لازم بالشرب منها؛ أي: من مائها كرعًا على تقدير اعتبار الحقيقة واعتبار المجاز، وأما الحنث بالشرب من مائها اغترافًا منها فليس بثابت على تقدير اعتبار الحقيقة، وإن كان ثابتًا على تقدير اعتبار المجاز؛ فيثبت ما هو متيقن فيه، ولم يثبت ما هو مشكوك فيه؛ فترجحت الحقيقة، وهاهنا بالعكس.


(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٥/ ٣٢٨)، فتح القدير للكمال ابن الهمام (٤/٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>