للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَهُوَ الإِقْدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي زَمَانِ تَجَدُّدِ الرَّعْبَةِ، وَهُوَ الظهرُ الخَالِي عَنِ الجِمَاعِ، فَالحَاجَةُ كَالمُتَكَرِّرَةِ نَظَرًا إِلَى دَلِيلِهَا، … ... …

الحاجة؛ لأن تباين الأخلاق وتنافر الطباع أمر باطن لا يمكن الوقوف عليها، فأقيم السبب الظاهر الدال عليها وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه مقام حقيقة الحاجة؛ لأنه زمان رغبة فيها طبعًا وشرعًا فلا يختار فراقها إلا لحاجة، والطهر الثاني والثالث نظير للأول في كونهما دليلا الرغبة؛ فصارت الحاجة كالمتكررة بالنظر إلى دليلها، وهذا جواب عن قول مالك: اندفعت الحاجة بالواحدة؛ يعني: لا نسلم اندفاعها.

والشرط أن لا يكون في طهر جماع على ما تبين.

ولأن اندفاع حقيقة الحاجة ممنوع؛ فإن الإنسان قد يحتاج إلى حسم باب النكاح لما لم يكن فيه مصلحة للتنافر والتباين؛ لكن يميل قلبه إليها لحسن ظاهرها فيحتاج إلى الحسم على وجه ينسد باب الوصول إليها ولا يلحقه الندم، ولا يمكن دفع هذه الحاجة بإيقاع الثلاث جملة واحدة؛ لأنها عسى تعقب الندم، ولا يمكن دفع هذه ولا يمكنه التدارك فيقع في الزنا فيحتاج إلى إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار، فيطلقها تطليقة رجعية في طهر لا جماع فيه ويجرب نفسه أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن لم يمكنه أرجعها وإن أمكنه طلقها أخرى في الطهر الثاني، ويجرب نفسه ثم يطلقها ثالثة في الطهر الثالث فينحسم عليه باب النكاح من غير ندم يلحقه ظاهرًا وغالبًا؛ فكان إيقاع الثانية والثالثة في الطهر الخالي مع الحاجة، فيكون مسنونا. كذا في مبسوط فخر الإسلام (١).

ثم إذا وقع عليها الثلاث في ثلاثة أطهار فقد مضى من عدتها حيضتان إن كانت حرة؛ لأن العدَّة بالحيض عندنا، وبقيت حيضة واحدة؛ فإذا حاضت أخرى انقضت عدتها.

ولو كانت أمة فبوقوع الطلقتين في طهرين، تمضي من عدتها حيضة وبقيت حيضة؛ لانقضاء عدتها.


(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٣/ ٨٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>